مجدداً .. عدنا إلى المربع الأول ونقطة البداية مع استعادة فكرة حماية الفضيلة ومحاربة المنكرات عملها بطريقة دراماتيكية متصاعدة على المستويين النظري والمادي .. وفي الشارع!. الجدل الشائك والعراك الفكري أنفسهما يعاودان الاشتباك ويؤسسان لمرحلة جديدة ومفتوحة على السجال والاستقطابات المتضادة : مع وضد الفكرة والمشروع المثير للدهشة والاكتئاب لدى طائفة عريضة وواسعة من النخب والشارع. وكأننا نسير حثيثاً وبسرعة قصوى .. إنما إلى الخلف ! هل قدرنا أننا نتقدم إلى الوراء ونعيد إحياء موات المشاريع والتكوينات الغابرة المؤهلة بامتياز استثنائي عجيب لإثارة الخوف والقلق وإشاعة أجواء الوصاية والتسلط على الناس من قبل تكوينات نوعية تنصب نفسها سلطة محل السلطة ورقيبة وحسيبة على المجتمع عوضاً عن المؤسسات المختصة وبديلاً عنها؟! لسنا ضد الفضيلة بإطلاق ، ولا ضد الفضائل والاخلاق الحميدة ، ولذلك فإننا نرفض ، ويجب أن نرفض ، أن تتحول المسألة إلى (أبوية) مفرطة في الاستئثار والاستحواذ على قيم وضوابط الفضيلة ، والتصدي لمهام الرقابة أو الحماية والحراسة المشددة ، بدعوى حماية الفضيلة والأخلاق ، من خارج المؤسسات الشرعية والرسمية المختصة ، ومن خارج سياج القانون وسياقه المدني والدستوري.وبالتأكيد - وهذه مسلمة لاتحتاج إلى امتحان أو إثبات هندسي أو فيزيائي - فإننا ضد الموبقات والمنكرات بأنواعها وأجناسها ، ونعتقد جازمين ، من منطلق حسن الظن بأهلنا وناسنا وشعبنا والعالم من حولنا ، أن الغالبية الساحقة من الناس هم معنا ومثلنا في هذه المشاعر والقناعات.ولكن ، ولاجل ذلك تحديداً وحصراً ، فنحن ضد منكر التجسس على الناس وقراءة النوايا وممارسة السلطة أو التسلط على الناس وأسرهم في الشوارع والأسواق والأماكن العامة.هل يحتاج مجتمعنا الآن . وفي هذه المرحلة الحساسة والاستثنائية بالمرة إلى فتح وإذكاء مواضيع خلافية حادة وصاخبة من هذا النوع ؟! السؤال مطروح على أكثر من طاولة وأكثر من معنى وأكثر من مستوى.لأن المسألة أبعد من أن تكون عادية أو عابرة وليست تثير هذا القدر من الجلبة والضجيج والخلافات والجدل المضرج بالنزاهة والموضوعية إلا لأنها غير عابرة ولا عادية .. ولا مأمونة المحاذير. على العقلاء التوقف عند الآثار والمساوئ والمفاسد التي قد تترتب عن فكرة وآلية اندفاعية كهذه . وإذا كان ولابد فنحن مجتمع مسلم ومحافظ ويلزمنا الكثير من الاحترام والتوقير حتى لا يشاع لاحقاً أننا غير ذلك وهو ما أستدعى مراقبتنا وضبط سلوكياتنا وحياتنا الخاصة “ بمسطرة” وفرجار أو هيئة ولجان !. ياقوم .. دلونا على فكرة مشابهة وهيئة أو لجنة أو جهاز مماثل حدث أن طبق واستخدم لهذه الأغراض طوال فترات ومراحل دول ودويلات وإمارات التاريخ الإسلامي الطويل والمترامي بين القارات.. أين حدث ذلك أو مثله في دولة النبوة ومن بعدها الخلافة الراشدة ودولة الأمويين والعباسيين والفاطميين ومن بعدهم ؟ وحتى في الأندلس على أيام المجد العربي والإسلامي هناك هل حدث ووقع شيء كهذا ؟! . من أين جاء علماؤنا الأفاضل - هدانا الله وهراهم - بهذه الفكرة؟ وكيف نلغي الدولة والمؤسسات والأجهزة المسؤولة عن رعاية وحماية الأمة ومصالحها وشؤونها ونأتي بكيان بديل لا محل له من الإعراب في الدستور والقوانين؟.
مع (الفضيلة) ..ولكن..!
أخبار متعلقة
