يذهب العديد من علماء الاجتماع إلى القول بضرورة التجديد والتغيير في مختلف وسائل الحياة، وأن ذلك الأمر غاية في الأهمية، لأنه يكون بمثابة إجلاء الصدأ الذي يغلف الحياة ويجعل منها هدىً يتردد ليصم الآذان بعد أن كان يشنفها في مراحل مضتربما لا تتجاوز العقد أو العقدين دون أن يحدث في هذه الحياة شيء من التجديد هنا تغلف الحياة بشيء من الرتابة ويعتريها الوهن، ويدب الملل في مختلف شرايينها ومفاصلها وبشكل تبدو معه هذه الحياة فيها شيء من التشوه والقبح.،هكذا يقول علماء الاجتماع وعلى رأسهم مؤسس علم الاجتماع العلامة ابن خلدون التونسي المنشأ اليمني الأصل.هذا القول ينسحب على الحياة بشكل عام، أما حين يكون متعلقاً بالحياة السياسية بشكل خاص فحدث ولا حرج،ذلك أن الحياة السياسية تكون في أمس الحاجة إلى مثل هذا التجديد والتغيير وفي مدد قصيرة لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.نقول ذلك لأن أمر السياسة دائم التحول والتبدل والناس مع هذا التبدل يتطلعون إلى ما هو أفضل،كي يعود ذلك على حياتهم بالنماء والسلم الاجتماعي والاستقرار والتقدم، وهذه هي فحوى العقد الاجتماعي بين الناس والأنظمة،وعلى الأخيرة أن تسعى جاهدة إلى تحقيق هذه الغايات على مختلف المستويات معيشة وفكراً وثقافة وتعليماً وأمناًَ.وتجاه ما ذكر فإنه يتعين القول إن الحياة وسبل التغيير والتطور فيها لا تكون بالعمارات ولا بالشوارع الفسيحة ولا بعدد السيارات والزحمة في شوارع المدن،ليس التغيير والتطور كذلك،بل هو منظومة يأتي مردودها ويتجسد في علاقات الناس،بل يجب أن يلامس الأفكار والوجدانات،وهو كذلك يجب أن يجري في شرايين ومفاصل العلاقات الاجتماعية،تلك العلاقات التي يجب أن يعاد النظر فيها شكلاً ومضموناً في بلادنا العزيزة ريفاً وحضراً عواصم ومدناً.بمعنى آخر فإنه أضحى معلوماً للخاص والعام أن العواصم في كل بلاد الله هي التي تغذي وترفد بقية المدن والأرياف بالعديد من القيم والآداب والأفكار التي تساعد على جعل الحياة ذات مذاق منظم وآمن أكرر أنه في تلك المجتمعات سعت الدولة وقيادات الوزارات والهيئات في العواصم إلى رفد الحياة في مختلف جوانبها وطبعت بقية المدن والأرياف التابعة لها بمختلف القيم المدنية الجميلة والراقية»،ومدت جسوراً من المعرفة والمدنية والعادات الراقية إلى ناس تلك المدن وبشكل أضحت معه تلك المدن والقرى تسير وبشكل منتظم في فلك تلك العواصم وعلى هداها.فهل ما هو واقع في بلادنا يسير وفق هذا التوجه،أم أننا نسير عكس عقارب الساعة،وأننا مجتمع يغرد خارج سرب الحياة، قياساً على بعض المجتمعات التي سعت الدولة فيها إلى خير الأمة وإلى سلمها الاجتماعي على الرغم من وجود أعداد من القوميات المختلفة والديانات السماوية وغير السماوية والطوائف واللغات المختلفة والعادات والأعراف المتعددة،ومع كل ذلك فقد تطبع الناس في تلك المجتمعات المتناقضة بطباع النظم والقوانين التي أصدرتها الدولة باعتبارها الراعية لحقوق الأمة والحريصة على التساوي فيها وقد انعكس ذلك على حياة تلك الأمم وسلمها الاجتماعي.أكرر السؤال نفسه لأنه لم يجد له إجابة بعد،لأقول: هل ما هو واقع في بلادنا يمت بصلة أو يسير في الاتجاه الذي سارت وتسير فيه الدول ومجتمعاتها في بلاد الله؟ خاصة أنه قد مضى أكثر من أربعة عقود ونصف على الثورة اليمنية المباركة؟دعوني أقول بعض الحقيقة وإن كان فيها شيء من المرارة،على بعض أولئك المنافقين والمتزلفين ممن يرددون تلك اللازمة في مختلف شؤون البلاد- كله تمام-.ونحن لا ننظر إلى ما هو موجود وما تحقق نظرة دونية،خاصة نحن المخضرمين الذين عاشوا حياة ما قبل الثورة اليمنية المباركة خاصة في شمال الوطن وإن كنا في تلك المرحلة صغاراً على الحياة غير أنا كنا مدركين بعض الشيء للحال الذي عليه أسرنا ونحن،حيث توقفت الحياة وعلى كل الأصعدة عند حدود القرن الأول الميلادي،وللمرء والقارئ العزيز أن يتخيل حياة تلك القرون الضاربة في القدم.ثم نحن لا ننظر ما تحقق نظرة دونية أو نقلل من حجم تلك الإنجازات التي تحققت على مختلف جوانب الحياة وهي اليوم تنبض وتكبر،غير أن ما نحن بصدده هو،أين مردود هذا التطور والنماء على العلاقات الإنسانية وعلى السلم الاجتماعيين؟ وهل من دور للعاصمة في تجسيد ما هو واقع على الساحة من تطور إلى العلاقات الاجتماعية والحياة المدنية.أم أن الريف والقبيلة ما يزالان يشكلان المصدر الأول والأخير للقوانين والنظم والحياة،وهما اللذان يمدان العاصمة بالهمجية والخروج أكثر فأكثر من دائرة الحياة المدنية وبشكل أصبح بعض ناس هذا الوطن أكثر قرباً من الأعراف السلفية ومن الروح الهمجية،ما سلب الدول العديد من اختصاصاتها في العقد الاجتماعي وهمش دورها في العديد من الجوانب المهمة في حياة الناس.ولكي لا تكون النظرة قاصرة على الجانب القبلي باعتباره أحد العوائق المهمة، فإنه يتعين علينا النظر إلى مختلف الأمور التي تشكل عائقاً أمام تطور ونماء الحياة المدنية، وإحداث التغييرات فيها على المستوى القانوني والفكري والوجداني والتعليمي والمدني.ذلك أن مسألة التطور والتحديث والتغيير ليست متعلقة بجانب دون آخر، وكما سبق القول فإنها منظومة متكاملة وتحتاج إلى التعامل معها على مختلف القنوات ويكون ذلك وفقاً لإرادة من الدولة ووفق آليات وزمن محددين.ونعود إلى القول إجمالاً إن مسألة التحديث والتغيير تقع على عتق الدولة باعتبارها الراعية للأمة والمسؤولة عن سلمها الاجتماعي، وهي ثانياً يجب أن تكون هاجس كل المؤسسات والنقابات والاتحادات والمجتمع المدني وكل أشكال التكوينات المدنية،وهذا طبعاً لا يلغي القول بأن هناك في أرياف العاصمة وبعض المحافظات من يحب الاستقرار والسلم الاجتماعين بل على العكس هناك الكثير والكثير إن لم يكن جميع أبناء القبائل من هم يبحثون عن الدولة ويدعون إلى ضرورة وجودها وممارسة جميع مهامها المتعلقة بالأمن والسلم الاجتماعيين.ذلك أن مسألة وجود الدولة وتحمل مسؤولياتها أضحى في بعض المناطق غاية في التعقيد وهو بحاجة ماسة إلى إرادة كي توجد وتعمل على تحقيق ذاتها وتمارس مختلف مهامها، فهذه مسألة غاية في الأهمية لأن غياب الدولة قد أدى إلى تغلغل قوى التخلف في العديد من مفاصل الحياة ليس في تلك المناطق،بل في كل مناطق الجمهورية اليمنية، ليس ذلك فحسب بل قد جعلها تمارس أنشطتها وتقوم بتفعيل تكويناتها بما في ذلك معيشاتها وبكل حرية وعلنية وبرضاء ورعاية الدولة قبل الوحدة المباركة،وتحت مظلة الديمقراطية بعد أن أصبحت شرطاً تحقق الوحدة اليمنية باعتبارها الرديف الذي يعطي مساحة من الحريات لحركة الناس وتكويناتها الحزبية التي هي مفتوحة إلى الآخر للأنشطة المعادية ولا نعرف لها سقفاً، إذ كان القصد من هذا نريد أن نتسابق مع الدولة العظمى أمريكا فيما تذهب إليه حيث أوجدنا المؤسسات التي تستنزف البقية الباقية مما يمكن أن يستفيد منه ناس هذا الوطن،وكذا فيما تذهب إليه من مقولات (دعه يعمل دعه ينتج، دعه يكسب)غير أنا فهمنا ماكانت تستحدثه وتنادي به وتدعو إليه بشكل معكوس،فبدت الأمور وسارت على هذه الشاكلة، (دعه يغش، دعه ينصب،دعه ينهب) غير مدركين لأهمية التنشئة ولأهمية العلوم والمعارف والتربية هذه الأشياء مجتمعة هي من أوجدت المجتمع الامريكي وجعلته يتعامل مع الحياة وفق طقوس ونواميس تتآلف وتنسجم معها مختلف المتناقضات.وتحت غطاء هذه المظلة مدت الأنشطة المعادية للوطن أرضاً وإنساناً وديناً ومعارف وتحديثاً سقفها إلى المحافظات التي لم يكن لها وجود سابق فيها، واتخذت من بعضها أوكاراً وبؤراً لاقلاق الأمن وزعزعة السلم الاجتماعي في محاولة آثمة لإيقاف حركة الحياة والإساءة للبلاد وقد تحقق لهم شيء من ذلك.وهنا نعود إلى القول إن منظومة التجديد والتغيير تحتاج بداية إلى إرادة قوية من الدولة،لأن هذه الإرادة تبقى من الأمور المهمة والتي بدونها يستحيل تحقيق أي قدر من التجديد والتغيير في العلاقات الاجتماعية وفي تحقيق السلم الاجتماعي ثم يأتي بعد ذلك اصطفاف المجتمع بمختلف شرائحه وتنظيماته وتكويناته.وفي تقديري فإنه يقع ضمن هذه المنظومة مسألة غاية في الأهمية، أقصد بها منظومة التغيير، أكرر يقع ضمنها ان لم يكن في مقدمتها، إعادة النظر في بعض القوانين خاصة تلك التي تعيد صياغة المختلف في أرقى صوره وأشكاله وكذا استصدار قوانين جديدة تلبي حاجة المجتمع في التطور والتحديث، وفي التضييق على مختلف مراكز القوى الشرعية التي لا يروق لها إحداث مثل هذه التغييرات التي انتظرها ناس هذا الوطن.ويكون في مقدمة هذه القوانين التي يتوجب إعادة النظر فيها وفي مضامينها قانون الانتخابات الذي يأتي بعد خمسين سنة من الثورة اليمنية المباركة ضد كل أشكال وصور التخلف ليفرض الوصاية على شعبنا بانتخاب عضو لهذا الهيئة البرلمانية والرقابية العليا في البلاد ممن يجيدون القراءة والكتابة ونتيجة لذلك فإن هذه الهيئة العليا الموقرة أو الأغلبية العظمى فيها تعمل جاهدة على عرقلة بعض القوانين والمنظم التي من شأنها تحقيق الأمن والسلم الاجتماعية واللذين يرغب وينادي بهما ناس هذا الوطن كما أنه ضمن مطالبي أن تصدر بعض هذه القوانين المهمة في حياة الناس ويكون تطبيقها على الواقع حقيقياًً لمعاناة الناس في غياب مثل هذه القوانين ولأهميتها في تحقيق السلم الاجتماعي وفي محاصرة الجريمة ألا هو: 1) قانون حيازة وحمل السلاح الذي قدم إلى الهيئة الموقرة قبل عقدين من الزمان وهو حتى اللحظة لم ير النور.في حين أن الدعوات تلو الدعوات من جميع ناس هذا الوطن ومن المنظمات المدينة والحقوقية والإنسانية ما تزال تستنجد بالهيئة الموقرة وتصيح بملء الفم،من أن الجرعة وتفشيها والإرهاب والتمرد على الدولة ليس إلا نتيجة لهذه البيئة الحاضنة للسلاح،وأن الحال ستظل إلى ماشاء الله وحتى تصدق الدولة في محاصرة هذه الآفة والقضاء عليها حملاًعلى الأقل. ولنا أن نتساءل عن أهمية القوانين في حياة الناس إذا لم تكن على علاقة وطيدة بحاجة الناس إلى مثلها خاصة تلك التي من شأنها تنظيم العلاقات بما يحقق المواطنة المتساوية والسلم الاجتماعي وبما يصون ذاكرة الأمة من العبث الواقع على الآثار في مختلف المناطق اليمنية، إن ما نسمعه ونقرؤه حول نهب الآثار والمخطوطات القديمة واستخدام الشولات في تهديم ذاكرة الأمة من قبل من لا ضمير لهم إنما ينبئ عن غياب كلي للدولة ولنا مع هذا وقفة في موضوع آخر يعطيه بعض حقه.ولذلك فإنا هنا نؤكد ضرورة إعادة النظر في بعض هذه القوانين واستصدار قوانين جديدة لتنظيم العلاقة ومن هذه القوانين:2) قانون صارم يجرم العبث بالآثار والمخطوطات والمتاجرة بها، أقول صارم لأن التمادي قد فاق الحد وأتى على المواقع والمناطق الأثرية بشكل ستصحو معه الأمة في أيامها القادمات وهي فاقدة لكل شيء.3) قانون آخر يمنع (الوساطة) التي يمكن لنا أن نقول بملء الفم أنها أضحت ظاهرة تستحق الوقوف أمامها بكل جدية وتستدعي إصدار قانون المنع والتجريم لها، لأنها أسهمت بهذا القدر أو ذاك في إضعاف هيبة الدولة وفي تخطي الفوضى وتجاوزها لمختلف القوانين والنظم.فهل نعي حاجة المجتمع إلى إعادة النظر في بعض تلك القوانين وإلى استصدار أخرى، خاصة تلك التي يعول عليها إعادة الاعتبار للدولة وهيبتها المفقودة، وللمواطنين المتعطشين إلى السلم والأمان الاجتماعيين وبما يعيد كذلك الاعتبار والتشكيل للأفكار والعلوم والثقافة والوجدانات والتعليم ومخرجاته الذي لا يختلف اثنان على رداءته وعقمه وقد دبج الكثيرون من المختصين والتربويين المهتمين بشأن التعليم، ودعو إلى ضرورة إنقاذه من الحال التي آل إليها دون أن يجدوا آذاناً صاغية أو صدراً يقدر تلك الجهود ويعطيها شيئاً من الاهتمام.بمعنى آخر، فإن الحال تسير في الاتجاه المعاكس لحركة الحياة ولطموح الناس في بلادنا، بفعل ما هو واقع من تهافت على المصالح الخاصة، ومن تهميش لكل ما يشار إليه من اخلالات وإغفال لمصالح الناس إلا فيما ندر وكأن لسان الحال يردد ذلك البيت الشعري في الحكمة لشاعر اليمن الثائر عمرو معد يكرب الزبيدي: لقد أسمعت إذ ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي.
أهمية التغيير في حياة الناس
أخبار متعلقة
