نبض القلم
المفتي هو الشخص الذي يلجأ إليه الناس ليسألوه فيما يشكل عليهم من أمور، لكي يبين لهم الحكم الشرعي فيما أشكل عليهم، والفتوى هي الجواب عما يشكل من الأحكام، وليس للمفتي سلطة إلزام المستفتي بقبول الفتوى أو رفضها، فتبقى المسألة طواعية واختيارية.ولكي تكون الفتوى مقبولة لدى المستفتي وملزمة له لابد أن يتصف المفتي بالعلم، وأن يكون معروفاً بالصدق، وحسن السير والسلوك، مرضي عنه، عدلاً في قوله وصدقه، ولا يكون متسرعاً قي فتواه، لأن الفتوى مسؤولية لا يجوز للمفتي أن يستهين بها أو يتساهل معها، أو يتجرأ فيها. فالرسول محمد صلى الله وعليه وسلم يقول : “أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار” ولذلك كان الفقهاء يجتهدون لاستنباط الأحكام قبل أن يفتوا في أية مسألة، وكان يشترط في المفتي أن يكون مجتهداً تتوافر فيه شروط الاجتهاد، وأهمها أن يكون عالماً ويعرف الأحكام ومسائلها ودلالة الألفاظ ووجوهها، ويعرف لغة العرب بالقدر الذي يمكنه من فهم النصوص فهماً صحيحاً، ولهذا السبب لم يكن الفقهاء يتجرؤون على الفتيا كما هو حاصل في عصرنا الحاضر، الذي يعج بالقنوات التلفزيونية الفضائية، والتي يتسابق فيها المفتون لتقديم فتاواهم الفورية دون دراسة لفحوى السؤال، ولا ترو عند الإجابة، فيناقضون بعضهم بعضاً، ما يجعل المشاهدين يحتارون في أي الفتاوى يأخذون، وهو يدل على عشوائية الفتوى، وعم مصداقيتها، ما يفقدها قيمتها لدى المشاهدين المحتارين.ولذلك لابد - في رأينا - من تقنين الفتوى وتنظيمها، وعدم السماح بالفتاوى الفورية التلفزيونية بصرف النظر عن نوعية المفتي ومستوى علمه وكفاءته وخبرته، لأن الفتاوى الفورية المتناقضة تضر بالناس أكثر مما تنفعهم.ولهذا نقترح إنشاء مجالس استشارية في كل قناة تلفزيونية فضائية تعنى بالفتاوى، وتتولى هذه المجالس تلقي الأسئلة من المشاهدين المتصلة بالأمور الشرعية لدراستها من قبل علماء مختصين وتقديم الفتوى بشأنها كما يرى المجلس لا كما يرى المفتي منفرداً.ويختص المجلس الاستشاري هذا بتقديم الفتاوى الصحيحة لمن يطلبها وفقاً لضوابط شرعية وقانونية، لإبداء الرأي في المسائل التي يطلب الرأي فيها من الجهات المختصة، ولا تكون الفتاوى عندئذ ملزمة، بل اختيارية إذ أن الفتوى أياً كانت تبقى استشارية، في المسائل المستفتى فيها، إلا إذا المسألة المستفتى بشأنها مجمع عليها، وليس هناك خلاف واضح بشأنها.ولا نرى ضرورة للفتاوى الفورية، بل لابد من تجميع الفتاوى المنظور فيها من قبل العلماء المختصين، وعرضها على المشاهدين بواسطة نخبة من العلماء الذين يتولون البت في الفتاوى أمام المشاهدين، بحيث يعطي كل منهم أدلته وحججه الشرعية بشأنها، فإن أصاب أقره الآخرون، وإن أخطأ راجعوه، ذلك أن بعض القنوات التلفزيونية الفضائية تكتفي بعالم واحد يتولى تلقي الأسئلة المباشرة من المشاهدين والرد الفوري عليها، بصرف النظر عما إذا كان موضوع الفتوى من اختصاصه أو اختصاص غيره، وقلما نجده يعتذر عن الأسئلة التي ليست في اختصاصه ونادراً ما يحيل السؤال إلى جهات الاختصاص، وهنا يكمن الخطأ.[c1]*خطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان)[/c]
