لقد سبق وتحدثت عن المثلث المفقود (هرمز - باب المندب - السويس). لكن لا يبدو أن المثلث يشكل أي أهمية للعقل الجماعي الافتراضي، فاليوم يدور الصراع بين الولايات المتحدة وإيران حول فرض السيادة على هذا الممر الاستراتيجي الهام. يختفي البعد العربي عن هذا الصراع، إلا من حديث خجول عن حق العبور المجاني. واضح للعيان أن العرب قد ارتضوا أن تهيمن الولايات المتحدة على المضيق، وربما صفق البعض في أعماقه لتصريح ترامب أن “الولايات المتحدة ستعلن هرمز أرضا أمريكية”، على الرغم أن البيت الأبيض علق على ذلك بأن “ترامب كان يمزح”. الصراع الجيوسياسي حول الممرات لا يمكن أن يكون بأي حال مجالاً للمزاح.
الصمت حيال تصريح ترامب يجعلنا نفترض أنه لن تمر إلا فترة قصيرة وتعلن فرنسا أو حتى إسرائيل أو تركيا، أو أي داهية كانت، أن كامل البحر الأحمر وباب المندب جزء من أراضيها. ويبدو أننا سنكون راضين بفقدان باب المندب نكاية ببعضنا، وسنتعايش مع فقدان هرمز نكاية بآخرين وببعضنا، قد لا يبقى بيد العرب غير قناة السويس، وحينها ستكون مصرية خالصة ولن تسمح مصر لأي متطفل من الأعراب أو غيرهم مجرد التوهم. لكن في ذلك الوقت ربما تتغير قيمة القناة نفسها إلى الأبد.
السؤال الآخر يتحشرج في صورة همهمة خافتة: هل الذين يتبنون نصف الرواية عن الحروب الدائرة في المنطقة يثقون أن الولايات المتحدة، هذا الحليف الودود، لن يكرر السيناريو بحذافيره معهم في أي لحظة إذا تطلبته مصالحها المرتبطة عضويا بمصلحة الدوائر الصهيونية؟؟
دعونا لا نتحدث كثيرا عن القيم المتناقضة التي تروجها أمريكا والغرب معا، حول الحرية والسيادة والعدالة، لأن تلك القيم لا يمكن أن تكون مجزوءة أو منتقاة. فهي بطبيعتها إما أن تسري على الجميع أو تكف عن الوجود. أي أن شن الحرب على أي دولة بسبب معلوم (فلنقل تهديد الأمن الدولي أو تهديد سيادة دولة أخرى) يقتضي بالضرورة شن حرب بنفس القيمة والفعالية والقسوة ضد الدولة (المحتلة لشعب آخر وتهدد عدة دول أخرى في نفس الوقت). أي أن تكون تلك القيم معيارا لكل التصرفات من نفس الطبقة.
إن قراءة الحرب ومآلاتها ونتائجها تستدعي التجرد من أي أوهام، خاصة إن كنا فعلا منشغلين ببناء مستقبل آمن لبلداننا، أما إذا كنا مستعدين فقط لإسماع بعضنا ما يريد أن يسمعه فذلك لعمري هو الطريق نحو مزيد من الانحطاط والتخلف عن الركب العالمي. ذلك الركب الذي سيتجاوز الضعفاء بل سيسحقهم ويمر على بقاياهم دون رحمة؛ لأنه صراع يشتد ضراوة حول كل المقومات الحيوية للحضارة والبقاء والرقي والرفاهية.
العالم يدلف نحو ما يطلق عليه آلن توفلر “موجة الحضارة الثالثة”، بينما بعض القطاعات الأمريكية تجاهد في مواجهة هذه الموجة وعناصرها؛ لأنها تنتمي لبقايا الموجة الثانية التي انتصرت على الموجة الأولى ولكنها “تريد الحفاظ على مكاسبها التي حققتها”، لكن ذلك يتم في إطار الدولة الأمريكية ذاتها. لكن على مسرح التاريخ لا تزال دول تقبع في إرث الموجة الأولى وتعتقد أن التشبث بها سيبقيها على حالها، وأنها ستكون بمنأى عن الصراع. تعني الموجة الثالثة من الحضارة - حسب توفلر - انتقال فعلي للسلطة من أصحاب المصانع والورش ومحلات الصرافة الإقطاعية المتكيفة بفعل الطفرة النفطية إلى أيدي نخب أخرى لا تنتمي إلى هذه النخب.
الموجة الثالثة هي سلطة نخبة المعلومات، من يمتلك المعلومات ومن يدير شبكات الأموال، إنه عصر النانو. من يسيطر على المعلومات وقواعد البيانات والفضاء السيبراني ومجالاته هو صاحب السلطة الفعلية والأقوى. ينزلق سؤال آخر: ماذا يمتلك الأعراب من هذه السلطة؟؟
هي سلطة لا تُمنح ولكنها تنتزع. لكن انتزاع السلطة الجديدة هذه لا يتم بالأدوات التقليدية، بالتمرد والثورة والثروة والرشوة والقرابة، ولا بالحشود القبلية. أصحاب هذه الأدوات سيتركون وحدهم وسيتجاوزهم العلم والعالم. هذه السلطة الجامحة والفريدة تأتي فقط بالعلم ومزيد من العلم ومزيد من الاستثمار في أبواب وأدوات البحث العلمي. ربما لم يفُت الأوان بعد لمراجعة خيارات برهن الوقت على خطلها، أو ربما قد فات. لكن لا مناص من المحاولة.
