وعندما نستمع لأم كلثوم أو عبد الحليم وفريد الأطرش وفيروز وغيرهم لا نفكر مطلقاً في بطائقهم الشخصية وجوازات سفرهم، لأنها لا تعنينا. جل ما يهمنا هو السرحان مع الجمل الشعرية والموسيقية والأصوات العذبة فنحلق معها. عندما شاهدت باليه بحيرة البجع لتشايكوفسكي للمرة الأولى وقفت مشدوهاً من روعة العمل وقدرة الإبداع المتناغم، كنت حينها أعتقد ان الفن وقف علينا وحدنا. وبالتدريج اكتشفت لنفسي عوالم موزارت وباخ وبيتهوفن وكلاسيكيين كثيرين من الشرق والغرب، ولكني لم أهمل ما تخزنه البلاد من روائع الطرب. لكن الأهم بالنسبة لي هو اكتشاف أن لكل لون وقتاً وموسماً، ليس للسياسة فيه دخل، بل الاحتياج الشخصي.
تختلف أذواق الناس فيما يخص الفنون. هناك تفضيلات مختلفة مرتبة وفقاً لأولويات معينة. في المسرح مثلاً يتفاعل الناس مع مسرحيات كوميدية مختلفة وتتم التفاعلات عادة مع أداء ممثل بعينه، ومن هنا تتكون لديه تفضيلاته الخاصة. ومع أني ممن يفضلون مسرحيات محمد صبحي وعادل إمام ومحمد نجم وآخرين، لكني لا أستطيع تجنب العطش إلى مسرحية الثنائي (سعيد عولقي وعبدالله مسيبلي - “التركة”)، ليس وطنية طبعاً، القصة بالنسبة لي مرتبطة بالتكنيك المسرحي وموضوعه واللهجة التي هيمنت على العمل فخلقت لدي ارتباطا عاطفيا شديدا. هذا الكلام يختص بالجزء الأول من المسرحية بشكل خاص.
في الرياضة لا يختلف الأمر كثيراً. عندما لعب بيليه في زمانه تخلى العالم كله عن قومياته وأعراقه وألوانه، ونظر إلى أقدام بيليه ورأسه فقط. صحيح أن العاطفة نحو أوطاننا تدفعنا في كثير من الأحيان إلى إعمال التمنيات والأوهام، لكن ما يجري على أرضية الملعب يحدثنا دائماً بالحقيقة فنعود لممارسة المتعة.
في النسخة الجديدة من كأس العالم رأينا كيف أن الفرق الخائبة منذ البداية نسيت وضعها الحقيقي برغم ما أغدق عليها من الثناء والموارد، وأخذت تتعلق بالأماني والأوهام، وبدأت تبني استراتيجيتها على نتائج الفرق المنافسة (الخصوم)، إذا (فاز الفريق كذا وخسر الفريق كذا) فستتحسن فرصي في الصعود. لكن بين الأمنيات وما تصنعه الأقدام والرؤوس وما يخططه المدربون خذل تلك الاستراتيجيات... الواقع دائماً يفرض شروطه..
دس ترامب أنف السياسة عميقاً في كأس العالم، لكن بلجيكا أسقطت أمريكا بالأربعة. ثم رأينا السياسة تدخل مرة أخرى وستدخل كثيراً كلما اقتربنا من النهاية. وكلما توغلت السياسة فسدت المتعة. فالتشجيع في كرة القدم مقترن بالمتعة فقط. كم سيمفونيات كروية حلقت بنا في فضاءات لا متناهية. من منا لم يشده منتخب الكونغو، ومن لم يتعلق في لحظة ما بالمغرب ومصر. وكم كانت كولومبيا نداً جسوراً؟ وكم رأينا الانهيار يحاصر فرقاً عملاقة، وتبدو الخيبات معلقة بين قوائم وعوارض المرمى ونحن نحاول كبت دموع التعاطف مع البعض ونصفق للبعض الآخر في نفس اللحظة.
البعض يقرن التشجيع بالسياسة الفجة المتشحة بالولاء لأمين الصندوق. ذلك الولاء ليس إلا ثقافة متأصلة وقديمة المنشأ. السياسي ينتمي (للحزب العظيم) لكن ولاؤه لأمين الصندوق لا للحزب، ومع كل انتقال انتماء ينتقل الولاء صوب الصندوق الجديد. فجور الخصومة يحفز السياسي ليقدح خصمه، لأن ذائقة التشجيع عنده مختلفة، ولأن الأخير يستمتع بالكرة وليس بالصندوق.
في رياضتنا المحلية تهيمن الأوهام على الفرق الخائبة التي تستجر ماضيها الذي صنعته أجيال أخرى قد انقطعت عن الحاضر. وكم رأينا تلك الفرق وهي في هوانها تخطط على ضوء نتائج خصومها، لكنها في الغالب لا تجني غير الخيبة. ذلك لا يقتصر على الفرق بل قد يتجاوزه إلى المنتخبات... حينها تلعب «لو» الشيطان بدلاً عنها.
ما يجري في العمل السياسي هنا كثير الشبه بما يجري في الرياضة، وربما تكون الرياضة نفسها قد استعارت منهج الأمنيات والخيبات من المسرح السياسي. فالكيانات والأحزاب والجماعات تبني خططها على إخفاقات خصومها واقتلاعهم من جذورهم.. لو أننا اقتلعنا ذلك الكيان فسيخلو (لنا وجه أبينا)... ثم تخلد لنومها. وتصحو ربما قبيل الفجر وتدعو بما لديها من تمائم محرزة بأن يسخر الله لها قوة أو حيلاً تحل لها خصومها أو تخفيهم... وغيرها يصحو وليس بصاح ويذهب إلى سوق البهرة ويبتاع بعض المساحيق وينثرها على جمرات لم تنضج بعد، ويصرخ ابراكدابرا... يا عملاق السواد، ويا قزم الأودية، ويا قوم يأجوج ومأجوج، ويا عفاريت سيف، خارجينا من الطاهش المخيف، ثم يكمل القوم نومهم بينما تحلق أحلام الإعاشة الوردية...وحده شوربان قتل ألف وأسر ألف وأعتق ألف. وكل الكيانات فرت بعيداً تندب حظها وتنتظر المعجزة.
