فالمرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة اليمنيين على تجاوز آثار الحرب، وترسيخ ثقافة العفو والتسامح، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتفعيل دور القضاء والأمن والإدارة العامة، بما يرسخ النظام والقانون ويغلب المصلحة الوطنية على أي اعتبارات أخرى.
ويتطلع المواطن اليمني إلى دولة يشعر فيها الجميع بالمساواة أمام القانون، وتعزز فيها مبادئ النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص، وتصان الحقوق والحريات، وتفتح أبواب العدالة دون وصاية أمام كل مواطن، بعيدًا عن أي مظاهر للتمييز أو الاستثناء.
كما يأمل اليمنيون أن تستعيد أجهزة الدولة دورها الطبيعي في حماية المواطنين وتأمين الطرق بين المحافظات، بما يعيد حركة السفر والتجارة والتنقل إلى مسارها الآمن، ويمنح الناس شعورًا بالطمأنينة والاستقرار بعد سنوات طويلة من المعاناة.
وفي الجانب الخدمي وإعادة الإعمار، تبقى تطلعات المواطنين كبيرة، وفي مقدمتها استقرار خدمات الكهرباء والمياه، وإعادة تأهيل الطرق والجسور والمنشآت المتضررة، وتحسين قطاعات الصحة والتعليم، إلى جانب إطلاق مشاريع حقيقية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب دون استثناء تعيد الحياة إلى المدن والقرى وتخفف من آثار الحرب.
أما الموظفون المدنيون والعسكريون ورجال الأمن، فإن انتظام صرف المرتبات يمثل أولوية أساسية لاستقرار حياتهم وأسرهم، وتعزيز أداء مؤسسات الدولة، إلى جانب الاهتمام بأسر الشهداء ورعاية الجرحى وتقدير تضحياتهم وما قدموه في سبيل الوطن.
إن إعادة بناء البنية التحتية ليست مجرد مشاريع خدمية أو هندسية، وإنما هي جزء من مشروع وطني شامل لإعادة الثقة بالمستقبل، وفتح المجال أمام الشباب للعمل والإنتاج، وتشجيع الاستثمار، وتهيئة بيئة اقتصادية تساعد اليمن على استعادة قدرته على النمو والنهوض.
غير أن تحقيق هذه التطلعات يحتاج إلى إرادة وطنية صادقة، وإدارة كفؤة، ورؤية واضحة تضع مصلحة اليمن فوق كل اعتبار، وتدرك أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن إعادة بناء المدن والمنشآت.
ومن هنا يبرز السؤال: كيف يمكن أن تكون مرحلة ما بعد استعادة صنعاء بداية حقيقية لعهد جديد من الأمن والاستقرار والتنمية بنكهة يمنية؟
الإجابة لن تكون بالشعارات وحدها، وإنما بما يتحقق على أرض الواقع من خطوات عملية تعيد للمواطن ثقته بمؤسسات الدولة، وتوفر له الأمن والخدمات والعدالة وفرص الحياة الكريمة.
فاليمن يستحق مستقبلًا يليق بتاريخه وشعبه؛ مستقبلًا يقوم على سيادة القانون، ووحدة المؤسسات، والتنمية، والتعايش، ويبتعد عن الصراع والانقسام، ويجعل المصلحة الوطنية فوق كل الحسابات.
فإذا كانت سنوات الحرب قد أنهكت الوطن والمواطن، فإن السلام الحقيقي يبدأ عندما يشعر الإنسان بالأمن، ويحصل على حقوقه، وتعمل مؤسسات الدولة بكفاءة، وتصان السيادة، ويصبح القانون مرجعًا للجميع.
وعندها فقط يمكن القول إن اليمن قد بدأ بالفعل أولى خطواته نحو مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا.
