نعمل على استعادة الدور الريادي لعدن ثقافياً.. وحماية الهوية مسؤولية الجميع




14 أكتوبر / خاص :
حاورها / رياض مطر :
تسعى العاصمة المؤقتة عدن إلى استعادة مكانتها التاريخية بوصفها منارة للتنوير والإبداع، من خلال حراك ثقافي متجدد يقوده مكتب الثقافة بعدن، الذي يعمل على إعادة ترتيب المشهد الثقافي، وإحياء المسرح، وتفعيل الشراكات، وصون التراث والهوية.
وفي هذا الحوار، تتحدث مديرة مكتب الثقافة بعدن، الدكتورة سميرة المشجري، عن أبرز ما تحقق خلال الأشهر الثلاثة الأولى من توليها المنصب، ورؤيتها لمستقبل الثقافة في العاصمة، والتحديات التي تواجه المكتب، والملفات التي تضعها على رأس أولوياتها.
بداية.. - مضى على تعيينكم قرابة ثلاثة أشهر، فما أولوياتكم؟
منذ اليوم الأول ركزنا على إعادة ترتيب العمل الإداري، لأن نجاح أي نشاط ثقافي يبدأ من وجود مؤسسة منظمة وعملنا على توزيع الموظفين وفق اختصاصاتهم، وتحديد المهام بصورة واضحة، بما يضمن قيادة الأنشطة الثقافية والإبداعية بصورة احترافية تحقق أهداف المكتب.
•ما أبرز الأنشطة التي نفذها المكتب خلال هذه الفترة؟
رغم قصر الفترة، نفذنا عدداً من الفعاليات المهمة، أبرزها الاحتفاء بالقامة الفنية الراحل أحمد بن غوذل، كما نحيي اليوم أربعينية الأديب والصحفي الكبير سعيد عولقي، الذي يعد إحدى الهامات الثقافية التي أسهمت في تشكيل الوعي الوطني.
وشكلنا لجنة برئاسة وزير الثقافة الأسبق الدكتور عبدالله عوبل للإعداد لهذه الفعالية، وأصدرت اللجنة كتاباً توثيقياً عن الراحل، ودعت زملاءه ومحبيه والمثقفين للمشاركة في هذا التكريم.
•وماذا عن المسرح؟
شهد المسرح نشاطاً لافتاً، حيث قدمنا مسرحيتي “مدير عام” و”للخلف دور”، وقد حققتا نجاحاً كبيراً ونالتا إعجاب الجمهور، حتى تلقينا مطالبات متواصلة بإعادة عرض مسرحية “للخلف دور”، ولذلك سنعيد تقديمها لثلاثة أيام متتالية.
نؤمن بأن المسرح ليس وسيلة للترفيه فقط، بل أداة لإيصال الرسائل المجتمعية ومعالجة قضايا الناس بأسلوب فني هادف.
•وماذا عن الفنون التشكيلية؟
احتضن مكتب الثقافة عدداً من المعارض الفنية التي أقيمت في عدن، وحرصنا على دعم الفنانين الشباب بما نستطيع، رغم أن المكتب جهة تنفيذية وليس جهة مانحة.
نوفر منصات العرض (الستاندات)، ونسهم في تغطية تكاليف نقل اللوحات، لأننا نؤمن بأن الفنان في بداياته يحتاج إلى من يقف إلى جانبه حتى يتمكن لاحقاً من الاعتماد على نفسه وتسويق أعماله.
•هناك نشاط متزايد لمنظمات المجتمع المدني في المجال الثقافي.. كيف تنظرون إليه؟
نحن ننظر إليه بإيجابية، لكننا نسعى إلى تنظيمه وتوحيد الجهود، ولذلك عقدنا لقاءً موسعاً مع المنظمات الثقافية حتى تصبح أنشطتها منسجمة مع خطة مكتب الثقافة.
ومن خلال هذه الشراكة تحصل المنظمات على الصفة الرسمية والتصاريح اللازمة لإقامة فعالياتها، وفي المقابل تستفيد من الخبرات الأكاديمية والإبداعية الموجودة في المكتب، وهي خبرات لا تتوفر لدى كثير من المنظمات.
ولدينا كوادر متخصصة في المسرح والموسيقى والفنون التشكيلية والسينما، ويمكنها الإسهام في رفع جودة البرامج والورش الفنية التي تنفذها تلك المنظمات.
•هل لديكم نموذج ناجح لهذه الشراكة؟
نعم، من أبرز النماذج تعاوننا مع الفرقة الموسيقية النسائية التابعة لمؤسسة عدن للفنون، بدعم من الاتحاد الأوروبي واليونسكو.
وتولى تدريب أعضاء الفرقة نخبة من كوادر مكتب الثقافة، منهم أحمد بن غوذل، ووهيب داؤود، وجميل باشماخ، وهاني جعفر، لمدة ثلاثة أشهر، وكان ظهور الفرقة على المسرح مبهراً، ونال إشادة واسعة من الجمهور.
•سمعنا عن مشروع لإحياء مسرح الطفل؟
بالفعل، نسعى إلى إعادة إحياء مسرح الطفل الذي أسسه الراحل أبو بكر القيسي، لأنه يمثل جزءاً من ذاكرة عدن الثقافية، ونعمل على تقديم عروض في الحدائق والساحات العامة والمجمعات التجارية، تتناول قصص عدن الشعبية واستعراضاتها الفلكلورية، وتحمل رسائل تربوية وتوعوية للأطفال في قالب فني ممتع، بما يسهم في تنشئة جيل مرتبط بتراثه وهويته.
كما أعددنا مشروعاً توعوياً بالتعاون مع طالبات مجمع خديجة التربوي، يتمثل في أنشودة خاصة بالنظافة لتحل محل نداء سيارات النظافة، وسيجري تعميمها في مدارس عدن لتعزيز ثقافة النظافة لدى الطلاب.
•ماذا عن المباني الأثرية؟ وما دور مكتب الثقافة في ترميمها؟
حماية التراث مسؤولية أصيلة لمكتب الثقافة، باعتباره الجهة الحكومية المختصة، ولذلك لا يمكن أن يكون خارج أي مشروع لترميم المباني التاريخية.
نرحب بأي دعم تقدمه المنظمات الدولية، لكن يجب أن يتم من خلال الأطر القانونية وبإشراف مكتب الثقافة، لأن قيام جهات أو فرق خاصة بترميم المباني الأثرية بعيداً عن المكتب أمر غير صحيح من الناحية القانونية.
لدينا أمثلة مثل المجلس التشريعي وسينما أروى، حيث لم يكن لمكتب الثقافة دور إشرافي رغم أنه الجهة المختصة.
•وهل ترون أن هناك تجاوزاً لدور المكتب؟
للأسف نعم، هناك منظمات وفرق خاصة أصبحت تتعامل مع المباني التاريخية باعتبارها مشاريع خاصة، وبعضها يطرح فكرة ترميم المبنى مقابل استخدامه لسنوات طويلة.
ونحن نرفض هذا التوجه، لأن المباني الأثرية ملك عام، ولا يوجد قانون يمنح أي جهة حق الاستفادة منها مقابل الترميم.
ويمكن للمنظمات أن تكون وسيطاً بين الجهات المانحة والسلطات الحكومية، لكن ليس من حقها امتلاك أو استغلال المباني التاريخية.
•ماذا عن صهاريج عدن؟
لن نقف مكتوفي الأيدي أمام ما تتعرض له صهاريج عدن من إهمال واعتداءات.
ونعمل حالياً مع إحدى المنظمات الدولية على مشروع لترميم الصهاريج، وسيعلن عنه في الوقت المناسب.
وسندافع عن هذا المعلم بكل الوسائل القانونية والثقافية، لأن الحفاظ على التراث مسؤولية وطنية قبل أن يكون مسؤولية مؤسسية.
•هل تجدون دعماً من السلطة المحلية؟
نعم، هناك تعاون كبير من السلطة المحلية، وأخص بالشكر محافظ عدن الأستاذ عبدالرحمن شيخ، الذي قدم دعماً مباشراً لمكتب الثقافة، سواء في مجال الآثار أو في تنفيذ الأنشطة الثقافية والإبداعية.
•ما أبرز التحديات التي تواجه مكتب الثقافة؟
أبرز التحديات مالية، ولدينا مشاريع استثمارية مهمة، مثل إنشاء استوديو تابع للمكتب لتوثيق الأنشطة الثقافية، وإتاحة خدماته للفرق الفنية مقابل رسوم تسهم في تعزيز موارد المكتب.
لكن المشكلة الأكبر تتمثل في اللوائح المالية الحالية، إذ تذهب نسبة كبيرة من إيرادات المواقع الثقافية إلى صندوق النظافة، بينما يحصل مكتب الثقافة على نسبة محدودة، رغم أنه يتحمل مسؤولية إدارة هذه المواقع وصيانتها.
وبعض المواقع تذهب 70 % من إيراداتها إلى صندوق النظافة، وفي حالات أخرى تصل النسبة إلى 85 %، ولا يتبقى للمكتب سوى 15 % فقط.
ومن هنا أناشد، عبر صحيفة «14 أكتوبر»، الجهات المختصة بإعادة النظر في هذه القرارات بما يحقق العدالة ويمنح مكتب الثقافة القدرة على تنفيذ برامجه.
•متى ستشعرين بأنك حققت رسالتك؟
سأكون مرتاحة الضمير عندما أرى الجميع يدافع عن الهوية الثقافية لعدن، ويعمل بإخلاص من أجل الحفاظ عليها وإبرازها بما يليق بتاريخ المدينة وحضارتها ومكانتها الثقافية الرائدة.

