في زمنٍ ليس ببعيد، كان الماء يصل إلى بيوت عدن كل يوم… كحقٍ طبيعي لا يُفكَّر فيه كثيرًا. كان الناس يفتحون الصنابير بثقة، دون قلق، دون انتظار، ودون أن يتحول الأمر إلى معركة يومية.
أما اليوم… فالماء لم يعد حقًا… بل أصبح انتظارًا.
انتظار قد يمتد خمسة أيام… ستة… وربما أكثر.
انتظار يرافقه قلق: هل سيأتي اليوم؟ وإن أتى… هل سيصل إلينا؟
المشكلة لم تعد فقط في انقطاع الماء، بل في عدالته. فحين يصل، لا يصل للجميع.
هناك من يمتلئ خزانه بالكامل، وهناك من ينتظر دوره فلا يأتي. هناك من تصل إليه المياه بضغطٍ قوي، وهناك من لا يصل إليه شيء… وكأن الماء يعرف طريقه ويتجاهل آخرين.
أي عدالة هذه؟
في أحياء من عدن، يتحول وصول الماء إلى حدث. الناس تستعد له كما لو أنه مناسبة نادرة. الأوعية تُجهّز، الخزانات تُفتح، والقلوب تترقب. لكن حتى هذه اللحظة المنتظرة… لا تكون كافية. فالماء قد يأتي ضعيفًا، لا يكفي لملء خزان واحد، أو ينقطع قبل أن يصل إلى آخر البيت. وهنا تبدأ المعاناة الحقيقية. أسرٌ كاملة تضطر لشراء الماء بأسعار مرتفعة، أو تقنين استخدامه بشكلٍ قاسٍ.
يصبح الغسل مؤجلًا، والتنظيف محدودًا، وحتى الشرب يُحسب بحذر.
هل يُعقل أن نصل إلى مرحلة يُحسب فيها الماء بالقطرة؟ الأم تفكر كيف تُدير يومها بأقل كمية ممكنة، والأب يحاول أن يوفر تكلفة شراء الماء، والأطفال يكبرون وهم يرون أن أبسط حقوق الحياة… غير متوفر.
الماء ليس رفاهية، وليس خدمة إضافية… بل هو أساس الحياة. وعندما يُصبح غير متوفر، فإن المشكلة لا تكون خدمية فقط، بل إنسانية.
ما يحدث اليوم في عدن ليس مجرد ضعف إمداد… بل خلل يحتاج إلى وقفة حقيقية.
أين تكمن المشكلة؟ هل في البنية التحتية؟ أم في التوزيع؟ أم في الإدارة؟ أم في غياب المتابعة والمحاسبة؟
الناس لا تطلب المستحيل. لا تطلب أكثر من حقها الطبيعي: ماء يصل بانتظام… ويصل للجميع. ليس من العدل أن تُحرم أحياء كاملة، ولا أن يُترك المواطن في حالة انتظار دائم، ولا أن يُجبر على دفع أموال إضافية ليحصل على ما يجب أن يصله من الأساس.
رسالة إلى المسؤولين: الماء ليس ملفًا يُؤجَّل، ولا قضية تُهمَل، بل هو حياة.
إن تحسين خدمة المياه، وضمان وصولها بعدالة، ليس خيارًا… بل واجب لا يحتمل التأخير. ضعوا أنفسكم مكان الناس، في بيوتٍ بلا ماء لأيام، في حرارة لا تُحتمل، وفي ظروف تزداد صعوبة. هل يمكن أن يُحتمل ذلك؟
وفي رسالة لكل قارئ: هذه ليست مشكلة فرد… بل قضية مدينة بأكملها.
وفي النهاية… تبقى الحقيقة واضحة: حين يصبح الماء حلمًا… فإن الخلل أكبر من مجرد انقطاع. وفي عدن… العطش لم يعد في الحلق فقط… بل في كل تفاصيل الحياة.
في عدن، لم يعد العطش مجرد شعور… بل أصبح واقعًا يوميًا يُرهق الناس بصمت.
وإن لم يُعالج اليوم، فلن يكون الغد سوى تكرار أكثر قسوة لهذا المشهد.
فإما أن يُعاد للماء حقه كحياة… أو سيبقى الناس يعيشون على أملٍ يتبخر كلما تأخر وصوله.
