في الواقع، مشاكل الصحافة في اليمن لم تعد مجرد نقص إمكانيات أو ضعف مؤسسات إعلامية، بل أصبحت تمس جوهر العمل الصحفي نفسه. الصحفي أحيانا لم يعد يواجه فقط صعوبة في الحصول على المعلومة، بل قد يتجنب السؤال من الأساس. الكلمة قد تفهم خطأ والخبر العادي قد يتحول إلى مشكلة والرأي المختلف قد يعتبر موقفا سياسيا، وهذا يجعلنا نتساءل: لماذا أصبح الصحفي يراقب نفسه قبل أن يراقبه الآخرون؟
وفي مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، يرتبط الأمر بحالة القلق والغموض التي تحيط بالعمل الصحفي، حيث لا يعرف الصحفي أين تبدأ المشكلة ولا كيف تنتهي. لذلك يبدأ بحذف بعض أفكاره قبل نشرها أو يغير صياغتها حتى يتجنب أي خطر محتمل. ومع الوقت تتحول الصحافة من بحث عن الحقيقة إلى حساب دائم للمخاطر.
ومن جانب آخر، يبرز سؤال لا يقل أهمية: هل الوضع المعيشي الصعب يزيد من ضعف الصحافة؟ كثير من الصحفيين يعيشون أوضاعا اقتصادية صعبة، مع رواتب ضعيفة أو متأخرة وغياب الاستقرار الوظيفي. هذا الواقع يجعل ممارسة المهنة أصعب ويزيد من تراجع القدرة على العمل بحرية واستقلال.
كما تشير تقارير وشهادات متعددة إلى وجود انتهاكات تطال الصحفيين من احتجاز وتهديد وملاحقات إلى محاكمات غير عادلة، إضافة إلى إغلاق مؤسسات إعلامية ومصادرة معداتها، وفي كثير من الحالات يغيب الردع أو المساءلة ما يعزز مناخ الخوف ويضعف الثقة ببيئة العمل الصحفي.
ورغم كل ذلك، تبقى الحقيقة الأساسية واضحة، الصحفي لا يحتاج إلى بيئة مثالية لكنه يحتاج فقط إلى بيئة آمنة تسمح له أن يعمل دون خوف دائم. فالصحافة ليست رفاهية بل هي وسيلة أساسية لمعرفة الحقيقة ومراقبة الواقع ونقل ما يحدث للناس.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحا: هل يمكن أن تستعيد الصحافة في اليمن مساحتها الطبيعية كصوت حر للسؤال والنقاش أم أن الخوف سيظل جزءا من المشهد لفترة أطول؟
المؤكد أن أي الإصلاح يبدأ من حماية الصحفيين وضمان حقوقهم، لأن غياب ذلك يعني صحافة موجودة بالشكل لكنها غائبة في التأثير والدور.
