لكن، وللأسف الشديد، جاءت ظروف البلاد على غير ما كنت أرجو، فتدهورت الأوضاع، وتبددت الآمال والأحلام. تحوّل الموظف من إنسان يعيش حياة كريمة، يتقاضى راتبًا في نهاية كل شهر يحقق له حدًا معقولًا من العيش، إلى إنسانٍ فقيرٍ يعيش حياةً قاسية، ينتظر ما يجود به الآخرون عليه. بل إن الراتب - إن صُرف - لم يعد يفي بشيء، ولا يكاد يغطي حتى تكاليف المواصلات إلى مقر العمل.
إنه دمارٌ نفسي، وإرهاقٌ معنوي، وشعورٌ بالمهانة، ترافقه حسرة وندم وإحساس بالضياع.
لقد كان الموظف، سواءً كان معلمًا أو عاملًا صحيًا أو مقدم خدمة في إحدى مؤسسات الدولة، يتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة، ويحظى بالاحترام والتقدير من مختلف شرائح المجتمع. لكن، وللأسف، أصبح اليوم من يعمل في سوق العمل الحر يعيش حياةً أفضل، ويتمتع باستقرارٍ مادي ومعنوي يفوق ما يعيشه الموظف.
بينما يقاسي الموظف الألم، ويعيش الحرمان، ويتجرع مرارة المعاناة؛ ذنبه الوحيد أنه اختار يومًا أن يكون موظف دولة، يسخّر جهده وقدراته لخدمة بلده ومجتمعه..
إنها مأساة حقيقية، لا يشعر بها إلا من يعيشها ويذوق مرارتها.
الموظفون - وأنا واحدٌ منهم - لا يُحسنون صنع شيء سوى أداء عملهم في وظائفهم التي اختاروها قبل سنوات، وسخّروا لها كل قدراتهم وخبراتهم، ولم يعد أمامهم خيارٌ سوى الاستمرار فيها... أو مواجهة الجوع.
ومن هنا، نوجّه رسالة إلى من بيدهم قرار مصير البلاد:
إن كل الشعارات التي ترفعونها، والقضايا التي تزعمون الدفاع عنها، لا تساوي شيئًا أمام ألم إنسانٍ فقد مصدر رزقه، وأصبح عاجزًا عن تأمين أبسط متطلبات حياته، رغم أنه يقضي عمره في عملٍ أحبه وأخلص له.
إن إصراركم على استمرار هذه المعاناة جريمة لا تُغتفر، وانتهاكٌ صارخ لحقٍ إنساني.
وإن أولى واجباتكم اليوم هو إعادة الحياة الكريمة للموظف، ومنحه حقه الذي يضمن له حدًا معقولًا من العيش الكريم.
وإلا، فاتركوا عنكم هذه الشعارات الرنانة، وعودوا إلى درب السلام، ودعوا الناس يقررون مصيرهم.
