جامعة الدول العربية، تأسست عام 1945 تحت إطار عربي جامع، بموجب ميثاق التأسيس الذي يؤيد مبدأ إقامة وطن عربي مع الاحترام الكامل للسيادة المستقلة، لكل دولة عضو حقبة تاريخية طويلة ومعقدة، وتأثيراتها محط أنظار التناول والنقد للدور الذي لعبه هذا الكيان الذي نظر إليه من قبل الشعوب على أنه أداة لتحقيق أحلام تراود الناس لمواجهة جملة من التحديات التي استدعت تأسيس هذه المنظمة، لعل أهمها أخطار قيام الكيان الصهيوني على أرض شعب عربي ما زال حتى اليوم يدفع أثمانا، تسيل دماء من جسد أجياله.. لكن الواقع شيء وأحلام اليقظة شيء آخر.
زمن طويل مضى والواقع العربي الرسمي والشعبي ينتقل من سيئ إلى أسوأ حتى اللحظة الحالية التي بات الوجود العربي، الذي أسس الجامعة، مهددا بالتغير شكلا وموضوعا من خلال ما تطرحه مشاريع التفتيت الإبراهيمية الصهيونية، عبر حروب الجيل ما قبل الأخير للتلمودية الصهيونية المتغطرسة عبر قوة الماجا، أمريكا أولا، قائدة للعالم دون منافس تحت مداميك قوة عسكرية وهيمنة مالية اقتصادية وصلت لمرحلة إما نحكم العالم أو نقتله عبر شن الحروب. وآخر تعبيراته الأكثر فجاجة غزو فنزويلا وحرب هرمجدون ترامب نتنياهو لسحق إيران ومحاصرة أي توجهات واتجاهات تريد إزاحة دولة الماجا، من توجيه دفة الأمور سياسيا واقتصاديا وضمن مبدأ علي وعلى أعدائي، ومبدأ هدم المعبد على رؤوس الجميع سواء كانوا حلفاء أو غير إيران ناقوس خطر كوني، وضمن مناخه يتم انتخاب شخصية من العيار الثقيل تاريخا وموقعا وانتماء عروبيا لوزير رفض بالمطلق مبدأ التعامل مع دولة الكيان الصهيوني، شخصية عربية مصرية، من مصر التي دفعت دماء وما تزال تدفع وتقاوم إنهاء قضية الشعب العربي الفلسطيني.
الأمين العالم الجديد نبيل فهمي قامة وهامة وطنية ذات خبرة طويلة بمعترك السياسة الدولية، قد خبر دهاليزها ومجاري مياهها، ويدرك كيف تتكون مطباتها وأين تكمن مكابح السيطرة على متغيرات أهواء القوى التي تدير وتلعب بمجاديفها وفقا لتوازن أو عدم المصالح تبعا لموازين قوى الأطراف التي تشكل ساحات الصراع.
من موقع عملي السابق بالجامعة العربية، كأمين عام مساعد، أدرك جسامة المهمة في توقيت كهذا، وأدرك أن مصر الحريصة على مقام ومكانة الجامعة العربية تدرك معنى ترشيح أحد جواهرها لقيادة دفة العمل العربي المشترك الذي من أجله تم إنشاء الجامعة قبل أكثر من سبعين عاما.
ما تزال ذات التحديات بل أكثر خطورة..
ما أنجز طيلة المرحلة السابقة لا يسر خاطرا ولا يشبع نظرة ناظر..
نمر حاليا بأسوأ مراحل الوجود العربي.. كيانات ممزقة، تحديات وجودية بعد انهيارات مفاهيم الدولة المؤسسية الوطنية، السودان واليمن وليبيا وهلم جرا. والأسوأ انكشاف أن ما يربط الدول العربية بعضها ببعض أقل بل أقل من القليل من ذات العلاقات المتشعبة التي تربط واقع الحال لدول عربية مع الغرب، بمعناه الواسع أمريكا وأوروبا واليابان، بل وحتى دولة الكيان الصهيوني التي باتت مخالبها تنخر في أكثر من قطر، ولعل محاولات تمددها إلى السودان وأرض الصومال والمغرب، وأخيرا مساعي تواجدها في بلادنا، ناهيك عما تمارسه من عدوان وتهديد لكل من سوريا ولبنان، صورة قاتمة وواقع صعب يواجه الأمين الجديد، وإن كنا ندرك عزيمته وعزيمة من رشحه لتولي المنصب وما يعني ذلك من تحديات، لعل أهمها كيفية خلق مناخات حقيقية لوحدة الصف بعيدا عن الانحيازات و الاصطفافات الضيقة السابقة، إلى جانب التمترس داخل المفاهيم الضيقة لأعمال مبدأ سيادة كل دولة، وهو مبدأ يخل بمبدأ الإجماع الحقيقي تجاه القضايا المصيرية، وما يعنيه ذلك، وتلك كانت التعبير الفج للمظاهر التي قصمت ظهر العمل العربي المشترك ولا تزال، ولن تستقيم رحلة العهد الجديد ما لم يعالج هذا الخلل الهيكلي وفقا لمصالح عربية تحدق بعيون مفتوحة ووعي مشترك لطبيعة التحديات والمخاطر، المتمثلة بالحرب التي تشنها أمريكا وإسرائيل على الخليج والمنطقة العربية وباقي العالم.
إننا أمام مرحلة تاريخية تحدياتها الماثلة تفرض توليد عناصر مواجهة لا تنقصها الموارد والفهم ولكن تنقصها تحديات جوهرية تتمثل بالآتي:
- غياب الإرادة العربية الموحدة وضرورة تجاوز ذلك.
- غياب وحدة العناصر الأساسية المكونة لواقع كل دولة عربية على حدة، أي تعزيز اللحمة الوطنية داخل كل بلد عربي.
- الارتباطات مع الآخر خاصة الآخر المعادي للقضايا الجوهرية العربية أشد متانة من العلاقات الثنائية العربية، وما يتطلبه ذلك من سياسات للجامعة دور أساسي فيها.
تفتت وحدة المصالح العربية، فلا سوق عربية اكتملت ولا تكامل حقيقي بين قطاعات الاقتصاد الإنتاجي تمتنت واكتملت أسسه، بل التشتت والتباعد والتكامل مع الآخر هو الغالب.
لا بد من العمل والتفاهم والعمل وفق قواعد بناء المستقبل بعيدا عن مفاهيم سادت ولا تزال “أنا أولا ومن بعدي الطوفان”، وكيف سيسمح للجامعة أن تلعب هكذا دور من أصله.
نأمل للاجتماع القادم الذي سيتم بالرياض النجاح لترسيخ اختيار الأمين العام الجديد الأستاذ نبيل فهمي أمينا عاما لجامعة الدول العربية في أخطر مرحلة يمر بها العالم أو الوطن العربي الذي يحاول الآخر إعادة تدويره ضمن مفهوم صهيو أمريكي، شرق أوسط جديد. وتأكيدا هو ليس جديد لكنه خطر داهم. فكيف يا ترى سيواجه مؤتمر الرياض القادم هذا التحدي؟.. إننا على ثقة بأن ترشيح مصر لأحد أبرز رجالاتها تدرك ما وراء هكذا ترشيح، وندرك أيضا معنى أن تختار الرياض مكانا لانعقاد اللقاء القادم. ونأمل أن يمثل قطيعة مع ما مضى، وأن يمثل خروجا على المألوف شكلا، ليضع النقاط على الحروف لإنشاء كيان يواجه بالإرادة الموحدة والإمكانات التي لم يحسن إيلاجها بمعترك التحديات زمنا طويلا.. نأمل ذلك.
وستبدي لنا الأيام إن كنا على صواب أم كنا نحلم أحلام يقظة تقتل ما تبقى من آمال..
ونأمل ألا يكون التشاؤم مكان أحلام يقظة تقتل ما تبقى من آمال.
