الأسئلة التي تفرض نفسها اليوم لا تنبع من ترف سياسي، بل من واقع معيشي ضاغط أنهك المواطن وجعله مترددًا حتى في التمسك بالأمل. هل ستختلف هذه الحكومة عن سابقاتها؟ هل ستنجح في إدارة مؤسسات الدولة بروح الفريق بدل الصراع؟ وهل يمكن أن يتحسن، ولو بالحد الأدنى، مستوى الخدمات التي تمس حياة الناس وكرامتهم اليومية؟
الحديث عن الحكومة لا ينبغي أن يُحمَّل أكثر مما يحتمل، ولا أن يُختزل في شعارات ووعود براقة. فالحكومة في جوهرها جهاز تنفيذي خدمي، ونجاحها الحقيقي يُقاس بقدرتها على تخفيف معاناة الناس، لا بمهارة خطابها الإعلامي أو حجم التوازنات السياسية داخلها. اليمن اليوم لا يعاني شحًّا في الموارد أو غيابًا للإرادة الوطنية بقدر ما يعاني أزمة عميقة في إدارة مؤسسات الدولة، حيث تحولت بعض الوزارات والهيئات إلى ساحات صراع نفوذ تُدار بمنطق الولاءات والمحاصصة، لا بمنطق المصلحة العامة.
نتائج هذا الخلل الإداري باتت واضحة في تدهور الخدمات الأساسية، وتعطل المشاريع التنموية، وتراجع فرص الاستثمار، رغم توفر دعم خارجي وإمكانيات كان يمكن، لو أُحسن إدارتها، أن تُحدث فارقًا ملموسًا في حياة الناس. وما يرهق المواطن أكثر من قلة الموارد هو استمرار عقلية الارتجال، والتعامل مع الأزمات كقدر دائم، لا كحالات طارئة تتطلب حلولًا مؤسسية.
وفي العاصمة عدن تتصاعد التساؤلات عمّا إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تحولات لافتة مع عودة الحكومة الجديدة لممارسة أعمالها من الداخل، وبدء استعادة حقيقية لحضور الدولة ومؤسساتها. فعدن، بوصفها العاصمة المؤقتة، تمثل اختبارًا جديًا لقدرة الحكومة على الانتقال من إدارة الأزمات عن بُعد إلى ممارسة فعلية للسلطة، وإعادة تفعيل المؤسسات الرسمية، وسط تحديات أمنية وإدارية لا تزال تلقي بظلالها على المشهد العام.
ويبرز في هذا السياق الدعم السعودي المتزايد لمسار الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة، سواء عبر الدعم الاقتصادي أو المشاريع التنموية في قطاعات حيوية كالكهرباء والصحة والتعليم والبنية التحتية. غير أن هذا الدعم، مهما كان حجمه، لن يحقق أهدافه ما لم يُترجم إلى إصلاحات داخلية جادة في الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل آليات الرقابة والمساءلة.
فالفساد المالي والإداري لا يزال أحد أخطر معوقات الإصلاح في اليمن. وتجربة السنوات الماضية أثبتت أن غياب المحاسبة، وانتشار المحسوبية، وتحويل المناصب إلى أدوات نفوذ، كلها عوامل أفرغت مؤسسات الدولة من مضمونها. المشكلة لم تكن يومًا في شح الموارد، بل في كيفية إدارتها ومن يديرها. فلا اعتراف بالأخطاء لأن الاعتراف يعني المحاسبة، ولا تداول للكفاءات لأن الكفاءة تهدد شبكات مصالح راسخة.
إصلاح مؤسسات الدولة لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وطنية ملحّة، تبدأ بإعادة هيكلة حكومية قائمة على الكفاءة لا الولاءات، وتفعيل رقابة مالية صارمة، وتدقيق شفاف للموارد والمشاريع، واستعادة الموارد السيادية وإدراجها ضمن الموازنة العامة، ومحاسبة كل من ثبت تورطه في سوء الإدارة أو الفساد. هذه الخطوات ليست شعارات إصلاحية، بل أساس حقيقي لاستعادة ثقة المواطن في الدولة.
ولا يمكن تحميل الحكومة وحدها مسؤولية النجاح أو الفشل. فالأحزاب والقوى السياسية شريك مباشر في المشهد، ومسؤوليتها لا تقل أهمية عن مسؤولية السلطة التنفيذية. حين تتحول الوزارات إلى حصص، والقرارات إلى أدوات ضغط، تصبح الحكومة ساحة صراع لا أداة خدمة. كما أن الشارع بدوره مطالب بالوعي، فالصبر لا يعني الصمت، والدعم لا يعني التفويض المطلق، والمساءلة لا تعني الفوضى.
التحدي الأعمق أمام الحكومة القادمة لا يتمثل في ملف بعينه، بل في استعادة الثقة المفقودة بين المواطن والدولة. ومن دون هذه الثقة، ستظل أي حكومة، مهما حسنت نواياها، عاجزة عن إحداث تغيير حقيقي ومستدام. وتحسين الخدمات ليس غاية بحد ذاته، بل شرط أساسي للصمود الوطني، فلا يمكن الحديث عن استعادة الدولة أو عن تحرير العاصمة صنعاء من براثن الانقلاب والكهنوت، في ظل واقع خدمي منهار ينهك الناس ويكسر إرادتهم.
اليمن اليوم يقف عند مفترق حاسم: إما أن تكون الحكومة الجديدة بداية مسار إصلاحي جاد يعيد الاعتبار لفكرة الدولة، أو أن تكون مجرد استمرار لإدارة الفشل بأدوات جديدة. وفي كل الأحوال، تبقى الحقيقة واضحة: المسؤولية مسؤولية مشتركة، وإذا تكرر الفشل فلن يدفع ثمنه السياسيون، بل المواطن اليمني وحده.
