في السادس والعشرين من يناير من كل عام تحتفل الهند بدخول دستورها حيز التنفيذ في عام 1950، وهو الحدث الذي أرسى دعائم جمهورية ديمقراطية ذات سيادة. ولا يزال الدستور، المتجذر في مبادئ العدالة والحرية والمساواة والإخاء، يوجه مسيرة التنمية الوطنية في الهند وتفاعلها مع المجتمع الدولي.
واليوم، وبعدد سكان يتجاوز 1.4 مليار نسمة، تقف الهند كأمة متمسكة بعمق بتراثها الحضاري العريق، بينما تمضي بثقة في مسار حديث ومتطلع إلى الأمام. إنها أرض يتعايش فيها الإرث التقليدي مع الابتكار، وتتكامل فيها الروحانية مع العلم، وحيث التنوع يتوحد في ظل قيم ديمقراطية مشتركة. وباعتبارها واحدة من أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً في العالم، برزت الهند كقوة عالمية في مجالات التكنولوجيا، والابتكار الرقمي، وعلوم الفضاء، والطاقة المتجددة، والتنمية الشاملة؛ وهو تقدم ترتكز دعائمه على مؤسسات ديمقراطية قوية ومرنة.
لقد أصبحت الهند الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم، بناتج محلي إجمالي يتجاوز 4 تريليونات دولار أمريكي. ويعكس هذا الصعود الاقتصادي الاستثنائي ما يتمتع به شعبها من إبداع ومهارة وروح ريادية، مدعوماً بسياسات اقتصادية كلية سليمة، وإصلاحات هيكلية مستمرة، وبيئة حيوية للشركات الناشئة. وحتى في ظل الرياح الاقتصادية العالمية المعاكسة، عزز معدل نمو الهند - الذي يقترب من 8 بالمائة - مكانتها كوجهة رائدة للتصنيع والابتكار والتحول الرقمي. كما تعمل الاستثمارات الكبرى في الطرق السريعة والموانئ والمطارات والخدمات اللوجستية على إعادة تشكيل البنية التحتية للبلاد وتعميق اندماجها في سلاسل التوريد العالمية.
إن مسيرة الهند نحو المستقبل تسترشد برؤية “فيكسيت بهارات” (الهند المتقدمة) - وهي تهدف لتحويل الهند إلى دولة متقدمة بالكامل بحلول عام 2047، تزامناً مع الذكرى المئوية لاستقلالها. وتؤكد هذه الرؤية على النمو الشامل، والاستدامة، والابتكار، وتمكين الشباب، والتنمية المتمحورة حول الإنسان، لضمان ترجمة التقدم إلى فرص وكرامة للجميع، دون استثناء لأي أحد.
إن علاقتنا مع دولة اليمن خاصة ومتعددة الأوجه، وتضرب بجذورها في قرون من الروابط التاريخية والثقافية والبحرية. تعود الاتصالات بين الهند واليمن إلى عدة قرون، سهلتها طرق التجارة والحج عبر البحر العربي والبحر الأحمر. وقد كانت الموانئ اليمنية بمثابة نقاط ترانزيت وشحن هامة للحجاج القادمين من الهند، كما كانت هناك اتصالات واسعة خلال الفترة الاستعمارية وزيارات قام بها قادة الحركة الوطنية الهندية، بمن فيهم المهاتما غاندي.
لقد تميز الانخراط السياسي للهند مع اليمن بالتضامن والاحترام المتبادل. واليمن عضو في تجمعات إقليمية ومتعددة الأطراف مثل رابطة الدول المطلة على المحيط الهندي، وغالباً ما التقت قيادتنا على هامش المحافل الدولية. كما شاركت الحكومة اليمنية بنشاط على مر السنين في “قمة صوت الجنوب العالمي” التي نظمتها الهند. بدأت هذه المبادرة الفريدة كفرع لرؤية رئيس الوزراء شري ناريندرا مودي: “سابكا ساث، سابكا فيكاس، سابكا فيشواس أور سابكا برايس” (معاً مع الجميع، التنمية للجميع، الثقة في الجميع، وجهود الجميع)، وهي مدعومة بفلسفة الهند “فاسودايفا كوتومباكام” (العالم عائلة واحدة). وتهدف هذه المبادرة إلى جمع دول الجنوب العالمي لتبادل وجهات نظرها وأولوياتها على منصة مشتركة عبر مجموعة واسعة من القضايا. وهذا بحد ذاته انعكاس للتعاون الهادف بين دول الجنوب الذي نما وتضاعف بين البلدين على مر السنين.
لقد تشرفت بتقديم أوراق اعتمادي كسفير للهند لدى اليمن إلى فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي في عدن في أغسطس 2024، وقمت بزيارات رسمية لاحقة، بما في ذلك في فبراير وأكتوبر 2025. وخلال هذه الزيارات، أتيحت لي الفرصة لتلمس كرم الضيافة اليمنية ومشاهدة الجمال الطبيعي لساحل عدن. وقد سلطت هذه الانطباعات الضوء على الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها اليمن للتنمية طويلة الأمد.
تشكل الروابط الاقتصادية والتجارية ركيزة هامة في العلاقة الثنائية. فقد بلغ إجمالي التجارة الثنائية خلال العام المالي 2024 - 2025 مليار دولار أمريكي، حيث بلغت صادرات الهند 850 مليون دولار والواردات من اليمن 150 مليون دولار. وتعد الهند من الموردين الرئيسيين لليمن للمواد الغذائية والأدوية، مع تواجد نشط للعديد من الشركات الهندية الكبرى في السوق اليمني.
بدأ التعاون في مجالي الدفاع والأمن بين البلدين في عام 2008 بتدريب قوات الحرس الجمهوري اليمني، وتوسع منذ ذلك الحين ليشمل تدريب ضباط وطلاب وجنود يمنيين في مختلف مؤسسات التدريب التابعة للقوات المسلحة الهندية.
إن دولة الهند ملتزمة بدعم اليمن في تنمية الموارد البشرية وتبادل خبراتنا كشركاء في الجنوب العالمي. فمن خلال برنامج التعاون التقني والاقتصادي الهندي والمنح الدراسية المقدمة عبر المجلس الهندي للعلاقات الثقافية، توفر الهند فرص تدريب ودعم للتعليم العالي للمواطنين اليمنيين. وفي السنوات الأخيرة، استفاد عشرات الطلاب اليمنيين سنوياً من هذه البرامج، مما ساهم في تنمية الموارد البشرية وتعزيز الروابط الشعبية طويلة الأمد.
إن البعد الشعبي للعلاقات الهندية اليمنية لا يزال قوياً بشكل خاص؛ فقد استقر العديد من الهنود تاريخياً في اليمن، وتصاهروا مع المجتمعات المحلية، وحصلوا على الجنسية اليمنية مع الحفاظ على التقاليد الثقافية الهندية. كما تربط منطقة حضرموت علاقات عميقة بمنطقة “الدكن” في الهند. واليوم، يعيش في الهند ما يقدر بنحو 300,000 هندي من أصل يمني، وبالمقابل، عاشت جالية كبيرة من أصل هندي تاريخياً في مختلف المحافظات اليمنية، وتشكل هذه المجتمعات جسراً حياً يربط بين بلدينا.
لقد وقفت الهند دائماً إلى جانب اليمن في أوقات الأزمات والصراعات من خلال تقديم المساعدات الإنسانية؛ حيث قدمت الدعم عبر إمدادات الحبوب والأدوية والمعدات الطبية استجابةً للاحتياجات الإنسانية في اليمن. وضمن مبادرة “فاكسين ميتري” (صداقة اللقاح)، قدمت الهند 360,000 جرعة من لقاحات كوفيد- 19 إلى اليمن عبر مرفق “كوفاكس” في مارس 2021. ومنذ أبريل 2022، صدرت الهند أكثر من 250,000 طن من القمح إلى اليمن للمساعدة في معالجة انعدام الأمن الغذائي. وفي الآونة الأخيرة، وتحديداً في فبراير 2025، سلمت الهند حوالي 25 طناً من الأدوية والمعدات الطبية الأساسية إلى اليمن، تلتها شحنة إضافية تبلغ حوالي 67 طناً من الأدوية في أكتوبر 2025.
ومن التطورات الهامة التي شهدتها العلاقات الهندية اليمنية العام الماضي، افتتاح المبنى الجديد لمكتب الشؤون القنصلية والتواصل في عدن. وقد ساهم افتتاح هذا المكتب في تخفيف العبء عن المواطنين اليمنيين الراغبين في التقدم للحصول على التأشيرة الهندية والخدمات القنصلية الأخرى. وتعتبر التأشيرات الطبية هي الفئة الأكبر من التأشيرات التي تمنحها الهند للمواطنين اليمنيين، وقد شهد افتتاح المكتب الجديد في عدن زيادة مستمرة في عدد هذه الطلبات شهراً بعد شهر، حيث لا تزال الهند هي الوجهة المفضلة للعلاج الطبي لليمنيين.
وبشكل عام، تتميز العلاقات الهندية اليمنية بعمقها التاريخي، وحسن النوايا الدائم، والتعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والدفاعية والتنموية والإنسانية. وتظل الهند ملتزمة بدعم الشعب اليمني ومؤسساته، مسترشدة بشراكة قائمة على التضامن والاحترام المتبادل والتطلعات المشتركة للسلام والاستقرار والتنمية.
أكرر تمنياتي لجميع أبناء الجالية الهندية بعيد جمهورية سابع وسبعين سعيد ومجيد، وأتمنى لأصدقائي اليمنيين استمرار وتعميق الشراكة الهندية اليمنية.
جاي هيند (تحيا الهند)
عاشت الشراكة الهندية اليمنية.
* السفير الهندي لدى اليمن
