ليست السياسة في جوهرها فعلًا قذرًا، كما يروّج البعض، ولا هي بطبيعتها مساحة للخداع والانتهازية. السياسة، في أصلها، أداة لتنظيم حياة الناس، وإدارة مصالحهم، وتحقيق التوازن بين القوى داخل المجتمع. لكنها، كأي أداة، تتشكل بطبيعة من يمسك بها: فإن وقعت في يد الوعي أصبحت وسيلة بناء، وإن استحوذ عليها الجهل تحولت إلى أداة هدم.
المشكلة التي نعيشها اليوم لا تكمن في السياسة ذاتها، بل في الفراغ الذي تركه أهل الفكر، فملأه آخرون لا يرون في السياسة سوى طريق مختصر للنفوذ ومراكمة المصالح. حين انسحبت النخب الواعية، أو أُقصيت، أو اكتفت بدور المراقب الناقد، تُرك المجال مفتوحًا لقوى لا تؤمن بالدولة ولا تعترف بالمصلحة العامة، بل تدير المشهد بعقلية الغلبة، وتُخضع كل شيء لمعادلة الربح والخسارة الضيقة.
أهل الفكر والإبداع ليسوا ترفًا في حياة المجتمعات، بل هم شرط أساسي لتهذيب المجال العام. هم القادرون على تحويل السياسة من صراع بدائي على السلطة إلى عمل مؤسسي منضبط بالقيم والمعايير. هم من يعيد تعريفها كمسؤولية لا كغنيمة، وكخدمة عامة لا كامتياز شخصي. لكن هذه القدرة لا تتحقق بمجرد امتلاك الوعي، بل تحتاج إلى شجاعة الحضور، وتنظيم الفعل، والدخول إلى مساحات التأثير.
في المقابل، حين يتصدر الجهل المشهد، لا تبقى السياسة مجرد ممارسة سيئة، بل تتحول إلى بيئة طاردة للقيم. تُهمّش الكفاءة، ويُكافأ الولاء، وتُختزل الدولة في أشخاص، وتُدار المؤسسات كإقطاعيات خاصة. عندها لا يكون الفساد استثناء، بل يصبح قاعدة، ولا يكون الانحراف حادثًا عابرًا، بل نمطًا مستقرًا يعيد إنتاج نفسه.
الخطير في هذا المسار أنه لا يكتفي بإفساد الحاضر، بل يدمّر المستقبل. إذ يُعاد تشكيل وعي الأجيال على أن السياسة مرادف للكذب، وأن النزاهة ضعف، وأن المصلحة العامة وهم. وهنا تتحول الأزمة من خلل في الممارسة إلى أزمة في الوعي ذاته.
ليس صحيحًا أن أهل الفكر عاجزون عن تغيير هذا الواقع، لكن الخطأ أنهم كثيرًا ما يقفون عند حدود التشخيص. النقد، مهما كان عميقًا، لا يغير موازين القوى ما لم يتحول إلى مشروع، وإلى حضور منظم داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. السياسة لا تُنظّف من خارجها، بل من داخلها.
إن المعركة الحقيقية ليست بين أشخاص، بل بين نمطين: نمط يرى السياسة مسؤولية أخلاقية ووطنية، ونمط يتعامل معها كأداة للهيمنة والسيطرة. وحسم هذه المعركة لا يتم بالشعارات، بل ببناء وعي جمعي يرفض الرداءة، ويفرض معايير جديدة للقبول والرفض.
الخلاصة، أن السياسة لن تصبح نظيفة لأننا نتمنى ذلك، بل لأنها تُدار بعقول نظيفة. وعندما يقرر أهل الفكر أن يكونوا جزءًا من الفعل لا مجرد شهود عليه، عندها فقط يمكن أن تستعيد السياسة معناها الحقيقي: خدمة الناس، لا استغلالهم.
