في مدينةٍ تعلّمت أن تصمد أكثر مما تعيش، لم يعد انقطاع الكهرباء خبرًا طارئًا… بل صار جزءًا من يومٍ طويل لا ينتهي.
في عدن، حين تغيب الكهرباء، لا يغيب الضوء تمامًا…
بل ينتقل إلى الشوارع.
هناك، في المعلا، وتحديدًا تحت أعمدة الإنارة في الشارع الرئيسي..
يجلس شباب لم يختاروا الظروف، لكنهم اختاروا أن لا يستسلموا لها.
يفرشون أحلامهم على الأرصفة، ويفتحون دفاترهم تحت ضوءٍ خافت، كأنهم يقولون للحياة: “سنكمل… مهما حدث”.
ليس مشهدًا عابرًا…
بل حكاية تتكرر كل ليلة،
وجوهٌ متعبة، عيونٌ تقاوم النعاس، وقلوبٌ ترتجف بين الخوف والأمل..
خاصة وهم على أبواب امتحانات مصيرية، ثانوية كانت أم جامعية… لا فرق، فالثقل واحد، والحلم واحد.
أي قسوة هذه التي تجعل طالبًا يبحث عن النور في الشارع؟
وأي قوة تلك التي تجعله يستمر رغم كل شيء؟
ليس سهلًا أن تذاكر وحرارة الليل تحاصرك،
ولا أن تراجع دروسك وصوت المولدات يقطع تركيزك،
ولا أن تحاول الحفظ وقلبك مشغول بسؤالٍ بسيط:
“هل ستأتي الكهرباء الليلة… أم سنعود إلى الشارع من جديد؟”
ومع ذلك…
هم هنا.
يجلسون في صمتٍ يشبه التحدي،
يكتبون، يراجعون، يحلمون…
لا لأن الطريق سهل، بل لأنهم يعرفون أن الاستسلام أصعب.
في تلك اللحظات، لا يكون الشارع مجرد طريق،
بل يتحول إلى فصلٍ دراسي مفتوح،
وإلى شاهدٍ على جيلٍ يُصنع من التعب،
جيلٍ لا ينتظر الظروف المثالية… بل يصنع من النقص فرصة، ومن العتمة بداية.
عدن، التي أرهقتها السنوات،
ما زالت تنجب هذا النوع من الشباب…
شباب لا يطلب الكثير، فقط فرصة عادلة،
ضوءًا يكفي ليرى طريقه، وهدوءًا يكفي ليحلم.
لكنهم، رغم كل شيء،
لم ينتظروا ذلك الضوء…
بل خرجوا يبحثون عنه بأنفسهم.
هؤلاء ليسوا مجرد طلاب يستعدون لامتحان،
بل حكايات صبر تُكتب كل ليلة،
ودروس في الإرادة تُلقى دون معلم،
وشهادة حقيقية لا تمنحها الجامعات… بل تمنحها الحياة.
قد تنطفئ الكهرباء،
لكن في داخلهم نور لا ينطفئ.
نور الإصرار…
نور الحلم…
نور عدن.
