لم تعد ألعاب الفيديو للتسلية، بل تحوّلت الحياة نفسها إلى حربٍ تسلية، كأن الكوكب شاشةٌ كبرى تُدار عليها معركة لا تنتهي.
وأصبحت الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز والطائرات المقاتلة مشهداً مألوفاً لهذا الجيل الصاعد في كثير من مدن العالم.
وإذا استثنينا الشعب الفلسطيني (شعب الجبارين)، الذي يعيش منذ ثلاثة أجيال متواصلة على وقع الحروب. فإن الحرب تشمل معظم الشرق الأوسط، وعلى الأقل هناك جيل كامل في العشرين من عمره الآن يعيش منذ خمسة عشر عاماً على وقع الحروب.
جيل لم يعرف المدرسة، لكنه عرف خيام النزوح.
لم يشهد حدائق التنزّه ولا معامل الدرس، بل عاش بين أنقاض المدن وخرائبها، حيث تنمو الطفولة مثل زهرةٍ «بين مفاصل صخر».
جيل لم يقلقه طابور الصباح المدرسي، بل يؤلمه طابور صندوق الأغذية العالمي، حيث يقف الجوع إلى جوار الأمل في صفٍ طويل.
جيلٌ كامل لم تتربَّ ذاكرته على أن الطائرة الورقية رمزٌ للحرية المحلّقة في سماء الطفولة، بل عرف الطائرات بلا طيار محمّلة بالموت. لم يسمع صوت فيروز يشدّه نحو حلم إطلاق طائرة ورقية ملونة من سطح الجيران، لأن السطوح نفسها صارت حوافَّ بيوتٍ مهدّمة، ولأن الطفل الذي كان يحلم بالطيران، صار يبحث بين ركام الجيران عن أشلاءٍ مزّقتها طائرة لا روح فيها ولا طيّار.
من ليبيا إلى اليمن والسودان، وقبلها فلسطين ولبنان، وحتى الصومال وسواحل إفريقيا، أصبح الحديث عن ملاذٍ آمن هاجساً مشتركاً. والآن ها نحن نرى مدنا على ضفتي الخليج تنضم لقائمة القلق.
لكن الملاذ الآمن يبدو كسرابٍ في صحراء مترامية، أو مثل وعد السلام على طاولات السياسة؛ كلما اقترب منه الناس ابتعد. وكلما توسّعت الحروب تقلّصت مساحة الأمان.
جاء دونالد ترامب بصرخته الشهيرة، الحالمة بجائزة نوبل للسلام، بأنه من أوقف الحروب والنزاعات في كل مكان. لكن العالم وجد نفسه أمام حرائق جديدة، لا تتوقف، تمتد من فنزويلا حتى إيران.
وتحت نفس الشعار القديم، حروب من أجل السلام!!
كيف يكون ذلك؟
لا جواب.
الآن يصمت القلم ويتحدث المدفع.
رسائل تريد أن تقول إنه لم تعد مرافئ النفط ولا الممرات المائية آمنة بعد اليوم، وكأن البحر نفسه صار قلقاً على سفنه.
يقول بحّارٌ محاصر في مضيق هرمز: «الطائرات المسيّرة والصواريخ المتبادلة تسيطر على السماء، وعليك أن تفرّ من كل ذلك».
لكن الحقيقة القاسية هي أنه: «لا يوجد مكان مخصص للاختباء على السفينة». ذلك فقط مع الشهر الأول لحرب لم نعرف بعد منتهى صلاحيتها.
والحقيقة الأعمق أننا نتجه إلى مرحلة قادمة حسب وعود وتوعد الأسبوع الماضي سنقول فيه قريباً: لا مكان آمن للاختباء على الأرض. وليس فقط على سطح مركب عابر في خليج مشتعل.
فمنذ أن فقدنا حميمية أرصفة كانت تعرض الكتب، وتتزين بالمقاهي ويلوذ بها العشّاق الفقراء، لصالح أرصفة الموانئ الحرة، كان لابد للكوكب ان يفقد بوصلة الأمان.
لتصير السماء مشتعلة بالطائرات المسيّرة، والبحر موجٌ عاصف بالزوارق الملغّمة، ويمضي العالم نحو ليلٍ طويل من القلق.
عندما تمت مصادرة العاب الفيديو نحو المهام العسكرية، لم تعد هناك غرف للدردشة الضاحكة، والحوار المنطقي، بل غرفٌ مظلمة لتسيير أشباح الموت ونشر الذعر.
بين شواطئ الخليج العربي التي بقيت ملاذاً آمنا للثروة، وشواطئ إيران التي بقيت مكمنا لتصدير الثورة، يُصنع واقع جديد سيتجاوز الجغرافيا المحظوظة بالطامعين من كل مكان، الى كل العالم المضطرب.
يقدّر القبطان أنام تشودري، رئيس جمعية ضباط البحرية التجارية في بنجلاديش، عدد البحّارة العالقين بنحو عشرين ألف بحّار. ذاك حتى الأسبوع الثالث من الحرب، بعضهم في عرض البحر، وآخرون عالقون في الموانئ.
لكن من الصعب تحديد أيهما أكثر خطراً. يقول: «قد يظن الناس أن البقاء داخل الميناء آمن، لكن سفناً تعرّضت للقصف وهي راسية هناك». إنها حربٌ أيها القبطان الباحث عن ملاذ، لم يدرك العالم بعد ملامح بداياتها كاملة، فكيف له أن يتنبأ بنهايتها؟
دعونا من تصريحات ترامب التي لا تتوقف، وطاقته الإعلامية الهائلة التي تدوخ العالم!
فهذه حربٌ تتسع كل يوم، رقعة وفجيعة.
اختلفت أشكال الطائرات المغيرة، وتوحدت نيرانها على وجه الضحية. حرب تتوالد نوافذ سمومها. حتى يبدو العالم كله كأنه يقف على سطح سفينةٍ في بحرٍ هائج، وسماؤه مفتوحة لكل الصواريخ… ولا مكان فيها للاختباء.
فلنعد للناس حقهم بالأرصفة الآمنة قبل فوات الأوان.
