صراع القوى الدولية على حقول النفط والغاز في الشرق الأوسط
1884م قامت شركة هوتز وشركاؤها بحفريات للتنقيب في منطقة دوليكي بفارس

- 1908م تدفق البترول في فارس من منطقة مسجد سليمان وإنشاء شركة البترول الإنجليزية الفارسية
- 1928م عقد اتفاق تجاري بين فارس وأمريكا
- 23 مارس 1920م أكد لويد جورج أمام مجلس النواب البريطاني أن حكومته لن تتخلى عن شمال أراضي مابين النهرين والسبب إمكانياتها الكبرى وحقولها الغنية بالبترول وتضم كذلك بعض الثروات التي تفوق ما يوجد في أي بلد بالعالم
14 أكتوبر / خاص:
نجمي عبدالمجيد :
ما يجري في المنطقة من صراع على حقول النفط والغاز ليس بمفقود الصلة بما كان من مجريات الماضي في الأمر.
لقد ادركت القوى الدولية منذ أكثر من قرن من الزمان ان الشرق الأوسط من خلال الموقع والثروة قطب صراع الهيمنة والنفوذ على مستقبل اقتصاديات العالم، بل تفرض الجغرافيا في كل حقبة رسم خرائط تدرك معنى المواقف السياسية في هذا المكان.
وما يجري اليوم من معارك بين ايران واسرائيل وأمريكا والغرب ومساحة النار فيها واقعة في دول الخليج العربي ما هو إلا صاعد من عمق تلك التناحرات التي جرت في المنطقة في عهود سابقة. وبالرغم من تبدل مراكز القوى في العالم تظل مرجعيات السرد التاريخية هي من يكشف لنا نوعية الأهداف التي تنفذ على واقع الراهن لأن الأزمات عبارة عن حلقات متواصلة وبقدر ما تتسع دوائر السيطرة فيها بقدر ما تشكل هوية سلاح إدارة المعركة.
المراجع في هذا الجانب والتي نقدم بعضاً منها هنا تكشف لنا عمق مأزق هذه الثروات في الشرق، بل يأتي هنا تداخل الحدود الذي يجعل من الموقع والثروة قوة صراع دائمة لا تعرف استراتيجية الاستقرار أو خلق نوعية من توازن القوى ما بين الاقليمي والدولي. لذلك نلاحظ في خارطة المواقع فقدان الاستقرار بل دوام الحروب والصراعات والتداخلات الخارجية مما يؤصل حالة نفسية في الهوية بأن هذه المواقع لن تعرف المهادنة بل هي حروب الدوائر المغلقة بل هي في عُرف البقاء تحت الوصاية لأنها تحمل طابع العجز الدائم في كيانها عن صناعة مشروعها السياسي.
مما جاء ذكره حول الصراعات البترولية في الشرق الأوسط: (لقد تزامن اشتراك الأمريكيين في الشركة العراقية للبترول المعروفة بالاي ـ بي ـ سي مع توقيع الاتفاق المعروف بالخط الأحمر. وكان الخط هذا يضم على الخارطة مجمل اراضي الأمبرطوارية العثمانية السابقة مستثنياً الأراضي المصرية مع شبه جزيرة سيناء ماراً بالجزيرة العربية، مهملاً في صدر الخليج العربي، الأراضي الكويتية ليصعد بمحاذاة التخوم العراقية الفارسية نحو المنطقة الشرقية من تركيا التي تضمنها الخط الأحمر المذكور.
وكان التنقيب عن البترول واستغلاله في الأراضي الواقعة ضمن الخط هذا عائداً إلى شركة البترول العراقية وهذا يعني اشراك سائر فرقاء الشركة في أي اكتشاف يقع عليه أي منهم في المنطقة الواقعة ضمن الخط الأحمر.
ولم يمض عشرون عاماً على ذلك حتى تم اكتشاف واستغلال عدد من الحقول خارج الخط الأحمر مثل قطر والسعودية وبعد فترة وجيزة تم اكتشاف البترول في البحرين خلافاً للاعتقاد السائد آنئذ من ان وجود البترول قليل الاحتمال جداً خارج العراق وايران وبهذه المناسبة اثيرت مشكلة تطبيق اتفاقية عام 1928م المتعلقة بالخط الأحمر وكان الاكتشاف هذا ثمرة عناد أحد النيوزيلانديين المدعو فرانك هولمز، وكان هذا قد طاف بلاد الشرق الأدنى قبل الحرب العظمى واكتشف الماء لشيخ البحرين.
وما لبث ان توالى اكتشاف البترول في كل من البحرين والكويت وقطر والسعودية بعد ان كان تقرير خبراء الجيولوجيا العاملين لدى الشركات لا يرجح اكتشاف البترول في هذه المناطق. وقد كتب السر تشارلس جرينوي رئيس الشركة الانجليزية ـ الفارسية ما يلي:
(ومع ان المعلومات الجيولوجية التي تجمعت لدينا لا تعطي كبير أمل بوجود البترول في البحرين والكويت نحن بطبيعة الحال على استعداد للتشبث بأي أمل ممكن ولو بنسبة (1 على %) بدلاً من السماح للآخرين بالمجيء الى الخليج العربي وباثارة المتاعب ضدنا).
لقد لعب اختيار فرنك هولمز على عدة مناطق في الخليج العربي وموقعها في مناطق ساحلية بين شط العرب وشبه جزيرة عُمان وكلها كانت خاضعة للسيطرة البريطانية.
وقد حصل هولمز في شهر ايار من عام 1923م على ما يلي:
1 ـ من سلطان نجد ابن سعود على رخصة للتنقيب في مقاطعة الحساء بما في ذلك المنطقة المحايدة.
2 ـ كما منحه شيخ البحرين في كانون الأول عام 1925م رخصة للتنقيب عن البترول.
لقد لعبت هذه المصالح عدة أدوار في ادارة صراع القوى الدولية حول نفط الشرق الأوسط وهو ما خلق عدة تبدلات في المواقف من هذه الثروة سياسياً ويمكن حصرها في النقاط التالية:
1 ـ ان شركة الغولف التي اضطرت إلى التخلي قررت الانفصال عن الشركة العراقية واستعادة حرية العمل .
2 ـ بما ان البترول قد وجد في البحرين فلابد من انه موجود في أماكن اخرى وبدأ التسابق لصيد الامتيازات .
3 ـ إلا ان هذا الصعيد يعرض اتفاق الخط الأحمر لتفسيرات جديدة لا يمكن مخالفتها ولا العمل بها .
وقد ادركت شركة الغولف هذه الدروس ولكي تتحاشى المصاعب اتجهت بنشاطها إلى الخارج بعيداً عن الخط الاحمر ومنها الكويت.
وبالاتفاق مع هولمز الذي اتجهت إليه لإنجاح مشروعها حاولت التمركز في الكويت ولكن شيخ الكويت كان مرتبطاً بتعهد تجاه بريطانيا كما هي الحال بالنسبة لشيخ البحرين إذا لا يحق لكل منهما ان يسمح باستثمار البترول إلا لمن يعنيه ممثل الحكومة البريطانية.
لذلك حدث تصادم بين هولمز وشركة الجولف مع الشركة العراقية. وكان لابد لأمريكا وبريطانيا في الكويت ان تبحثا عن مخرج كما فعلوا في البحرين فكان التوصل عام 1933م إلى تسوية حيث أمكن بموجبها اقامة الشركة الكويتية للبترول في شباط 1934م والتي حصلت على امتياز كان مدته 75 عاماً.
أما في قطر الموقع المجاور للبحرين فقد قامت الشركة الايرانية الانجليزية ببذل أولى المساعي ثم جاءت بعدها شركة الستندارد اوف كاليفورنيا مؤيدة بدعم من قبل الممثل الرسمي البريطاني حينها لدى امير قطر في بوشهر.
وفي عام 1935م حصلت الشركة العراقية بواسطة الشركة الانجليزية الفارسية على امتياز لمدة 75 عاماً وفي بوشهر بدأت اعمال الحفر في أكتوبر 1938م ولكن لم تظهر النتائج الأولى إلا في نهاية عام 1939م.
فالمشكلة الوحيدة التي ظلت قائمة خارج الكويت كانت السعودية وكانت قد خضعت بجزئيها لسلطان ابن سعود بعد هزيمة الشريف حسين عام 1925م.
وتسرد لنا مرجعيات تلك الحقبة ما كان دائراً من صراع حول منابع النفط في الخليج العربي وتسابق القوى الدولية نحو هذه المنطقة بما يلي: ( وقد اثارت الاكتشافات البترولية في البحرين والكويت مطامع الامريكيين فتقدمت شركة الستندارد اويل اوف كاليفورنيا إلى ابن سعود بطلب امتياز في اراضي المملكة ولكن شركة بترول العراق لم تلبث ان قدمت طلباً مماثلاً. إلا ان ابن سعود كان يشكك في الانجليز الذين كانوا من جهة ثانية غير قادرين على ارضاء مطالبه .
انه يريد ذهباً والانجليز يعرضون جنيهات انجليزية ورقية، فلم تتردد شركة الستندارد كسباً للصفقة ان تعرض (50000) خمسين الف ليرة استرلينية ذهبية مقابل الـ (30000) ثلاثين الفاً التي عرضتها العراقية في ايار عام 1933م.
منح ابن سعود شركة الستندارد اوف كاليفورنيا امتيازاً في رقعة واسعة في ولاية الحسا. وفي تشرين الثاني من السنة ذاتها أسست الستندارد شركة جديدة تحت اسم الستندارد الكاليفورنية ـ العربية للزيت .
وبعد ثلاث سنوات اشتركت شركة تكساس بنصف اسهم هذه الشركة إلا ان الجيولوجيين لم ينتظروا ذلك للبدء في العمل إذ باشروا بأعمال السبر منذ نيسان 1935م وكانت النتائج غير مشجعة ولم يكتشف البترول بكميات غزيرة إلا في عام 1938م عندما بلغ عمق الحفر 4550 قدماً.
واصبح من الممكن استثمار الحقول على نطاق واسع ؛ وفي ايار عام 1939م تم نقل أول شحنة بترول عربي من رأس التنورة. وبعد اسابيع معدودة حصل الأمريكيون على امتياز اضافي في مساحة تبلغ 85000 كيلو متر مربع.
وقد اثار التمركز الامريكي هذا في منطقة داخلة في نطاق الخط الأحمر ـ كما كان الأمر بالنسبة للبحرين ـ احتجاجات جميع شركاء العراقية للبترول ولكن اعلان الحرب العظمى 1939 ـ 1945م جاء في الوقت المناسب ايضاً للتوفيق بين الأطراف).
كان الصراع الفرنسي ـ البريطاني حول نفط الشرق الأوسط صورة معبرة عن تسابق النفوذ العالمي على ثروة دول المنطقة وهو مازال العنصر الفاعل في سياسة الهيمنة من قبل مراكز القوى الكبرى.
ولأن قضايا النفط اقتصادية ولا يمكن عزلها عن قضايا وأزمات الشرق الاوسط المتشابكة، بمعنى عن العلاقات بين فرنسا وبريطانيا من جهة، وبين كل من العرب واليهود والأتراك من جهة أخرى فقد ظل اتفاق 8 نيسان مجرد حبر على ورق ومنذ هذا الشهر من عام 1919م حتى كانون الأول من نفس العام مرت ازمة العلاقات الفرنسية البريطانية بعدة مراحل، ومنها القضية السورية وما كان عليها من صراع القوى الدولية، لكن هناك جانبا هو محور القضية ومرتبط بقوة بالبترول.
أما الأوساط العالمية ومن لهم مصلحة بموضوع البترول لم تظل في موقف المراقب.
فقد سعى الأمريكيون إلى معرفة اهمية وطبيعة القرارات السرية المتخذة في نسيان وحاولوا المستحيل مع وزارتي خارجية فرنسا وبريطانيا اللتين حافظتا على سر هذه القضية.
ومن اتفاقيات تلك الحقبة والتي توضح لنا درجات الصدام بين الدول الكبرى حول نفط المنطقة، نقف أمام احدى هذه الحيل السياسية.
اتفاقية سان ريمو في ابريل عام 1920م
(ـ بند ما بين النهرين ـ تتعهد الحكومة البريطانية أن تمنح الحكومة الفرنسية أو من يمثلها حصة تبلغ 25 % بالسعر الجاري في السوق من الإنتاج الصافي للبترول الخام الذي قد تحصل عليه حكومة صاحب الجلالة من حقول بترول ما بين النهرين، في حالة ما إذا وكل إليها استغلال هذه الحقول. وفي حالة ما إذا كلفت شركة خاصة بإنماء الحقول المذكورة، فالحكومة البريطانية تضع تحت تصرف الحكومة الفرنسية حصة من أسهم هذه الشركة لا تقل عن 25 % على ألا تزيد قيمة السهم منها على القيمة التي تدفع من قبل أي من المساهمين الآخرين، كما تم الاتفاق على أن تخضع هذه الشركة للإشراف البريطاني الدائم).
بعد فترة من الوقت وتحديداً في شهر مايو عام 1920م وبناءً على طلب من الحكومة الفرنسية أكدت الحكومة البريطانية على لسان ممثلها السر جون كدمان هذه المحاور:
1 ـ انها تحدد الحقول المكتشفة أو التي سيصار إلى اكتشافها في ما بين النهرين والتي هي من منطقة الانتداب البريطاني بما يلي:
أـ تلك الحقول التي قد توجد على امتداد خط بغداد ضمن رقعة من الأرض لا يزيد عرضها على العشرين كيلو متراً من طرفي الخط الحديدي، وفقاً لأحكام رخصة امتياز خط بغداد ذاتها.
ب ـ تلك الحقول البترولية التي كانت تتمتع بملكيتها الخاصة السلطانية السابقة في ولايتي الموصل وبغداد.
ج ـ حقول منطقة (نفطة خان) التي نقلت ملكيتها إلى تركيا عام 1913م.
2ـ كما اوضحت حقوق الحكومة الفرنسية بما يلي:
أـ باستلام 25 % من البترول الخام الصادر عن الحقول المذكورة أعلاه في حالة ما إذا جرى استغلالها من قبل مؤسسة حكومية تعمل في التجارة.
ب ـ بأن يحدد السعر الذي سيطبق عليها بنسبة سعر الكلفة عند مصب خط الأنابيب إن في ميناء البحر الأبيض المتوسط أو في الخليج العربي ـ في حالة ما إذا تم إنشاء أي من الخطين ـ على أن يضاف إليه النسبة المعقولة ربحاً عادلاً لرأس المال الموظف واستهلاكاً لإنشاءات وأوائل التنقيب والضخ والنقل خلال 20 عاماً.
3ـ وفي حالة ما إذا أسست شركة خاصة أو أكثر من شركة بغية استغلال هذه الحقول سيحتفظ للحكومة الفرنسية أو ممثليها بحق الاشتراك بـ 25 % من رأسمال هذه الشركة أو الشركات وبذات شروط باقي المؤسسين.
وبالإضافة إلى ذلك جرى تأكيد حق فرنسا بالنسبة ذاتها أي بـ 25 % في حالة ما إذا منحت أية شركة بريطانية أو اجنبية امتيازات اخرى في الحقول البترولية المعنية.
في 22 اغسطس 1917م اعلن هنري بيرنجه عضو مجلس الشيوخ الفرنسي ما يلي: (اصبح موضوع البترول والبنزين من الحيوية بحيث لم يعد بالإمكان ان نجعل منه مجرد قضية خاصة تعود لدكاكين البقالين، وكل يوم يمر يكسبه اهمية قومية تتعاظم رويداً لتصبح من قضايا السياسة العالمية).
ومن وثائق النفوذ الغربي نحو الخليج العربي وبلاد فارس نقدم هذه المرجعية التي توضح منذ تلك العهود كيف سعى الغرب للسيطرة على مراكز الثروة وما هي الشروط التي عمل عليها من خلال سياسة التوسع عبر رسم المحاور.
الوثيقة رقم (1) ـ 1918م
0249
امتيار بترول وليام نوكس دارسي في فارس 29 آيار 1901م. بين حكومة صاحب الجلالة الإمبراطور شاه فارس من جهة، ووليام نوكس دارسي المستقل المقيم في لندن في ساحة جروفنور سكوير رقم 42 ويسمى فيما بعد (صاحب الامتياز) من جهة اخرى.
المادة 1ـ إن حكومة صاحب الجلالة الإمبراطور شاه فارس تضمن لصاحب الامتياز بموجب هذه الوثيقة حقاً ممتازاً وخاصاً به دون غيره في البحث والحصول على زيت البترول، والغاز الطبيعي، والاوزوكريت، واستغلال وإنماء هذه المواد وإعدادها للتجارة في سائر انحاء الأمبراطورية الفارسية لمدة 60 عاماً اعتباراً من تاريخ هذه الوثيقة.
المادة ـ 2ـ يخول هذا الامتياز حقاً محصوراً بوضع الأنابيب اللازمة للحقول ـ حيثما يتم اكتشاف إحدى أو بعض المواد المعنية ـ حتى الخليج الفارسي مع سائر الخطوط الفرعية اللازمة للتوزيع. كما تخول حق القيام بإنشاء وصيانة سائر الآبار والخزانات وبناء المحطات والابنية اللازمة لخدمات الضخ وخدمات الجمع والتوزيع وإقامة المصانع وسائر الورش والإنشاءات التي تبدو ضرورية.
المادة ـ 3ـ تضع حكومة صاحب الجلالة امبراطور فارس تحت تصرف (صاحب الامتياز) سائر الأراضي الأميرية الصالحة للزراعة والتي يقدر المهندسون إنها ضرورية لإقامة جزء من المنشآت المذكورة أو كلها. أما بالنسبة للأراضي الأميرية المزروعة فعلى صاحب الامتياز شراؤها بالسعر العادي السائد في الولاية.
إن ما يجري اليوم من صراع في الخليج العربي له في هذا التاريخ مراجع عدة بل هي حلقات تتوسع كلما طال امد الحرب.
وما تغيُّر الخرائط إلا مؤشر على أن هناك مرحلة قادمة يكون فيها السلاح هو مشرط التقسيم، وأن المكان لم يعد كما كان، وأن الصور سوف يذهب الكثير من معالمها.

