حضرموت وشبوة خطوات فوق رمال الثروة والسياسة -1937م



14 أكتوبر/ خاص :
نجمي عبدالمجيد:
حسابات الماضي في التاريخ تظل قائمة في مسارات الحاضر. وفي الارتباط تتكون أسس انتاج الوعي في حركة الأحداث.
وفي العلاقة بين قراءة التاريخ وصناعة المشهد السياسي تدرك المسافة الفاصلة بين ما كان وهو يتشكل في الراهن وما يجب ان يكون حتى تصبح للرؤية معالمها في الغد.
حين نعود لقراءة ما سطره هاري سانت جون فيلبي 1885 ـ 1960م من تاريخ الشرق الأوسط في القرن الماضي ومكانته في جزيرة العرب منذ عام 1917م حتى عام 1955م، ندرك ان السياسة البريطانية قد أسهمت إلى أبعد الحدود في ما تحرك من الأمور وفق خطط لم تغب بصماتها عن هزات في المحاور التي كان من المفروض منذ عقود أن تكون قد خرجت عن الترسيم البريطاني واصبح لها طابع الهوية الذاتية لكنها ظلت في اسر ذلك الأفق بالرغم من التحولات في القشرة الخارجية.

- الاختراق السياسي البريطاني للجزيرة العربية قد بلغ بالفعل مبلغاً بعيداً أكثر مما ينبغي وما يزال يسعى لكي يتمادى أبعد مما بلغ
- أحد موظفي السلطان حدثني بصراحة شديدة أن عرب حضرموت ليسوا مؤهلين للاستقلال ولا يرغبون حتى فيه وهم راضون وقانعون باعتمادهم على الحماية البريطانية
- هذه الرحلة شملت كل المناطق التي أكدت وثائق سابقة وجود منابع النفط والغاز والمعادن فيها
- الخرائط والتقارير التي رفعها إلى الحكومة البريطانية مازالت لها أهمية حتى الآن في رسم الوضع السياسي لهذه المناطق

حين نقف أمام كتابه (بنات سبأ ـ رحلة في جنوب الجزيرة العربية) وهو ما كرس لرصد المعالم المختلفة في حضرموت وشبوة، رغم ان هناك تقارير خاصة رفعت إلى المخابرات البريطانية وكشف عنها منذ سنوات في مسائل مثل رسم خرائط الحدود والبحث عن مواقع النفط والغاز والمعادن، كذلك اتصاله بشيوخ القبائل ومعرفة الاتجاهات السياسية عند كل فئة وجماعة، ودور الصراعات حول المصالح الذاتية، وحتى الطبيعة الجغرافية لكل مكان وما لها من تأثير على مواجهات النفوذ المناطقي.
السياسة البريطانية حين كانت تتحرك هنا، ظلت تدرك ان ما فوق هذه الرمال ليس من السهل محوه في القادم، بل من الوعي السياسي ان يحفظ هذا المشهد في الذاكرة ويظل في وضعية التعاقب؛ لأن جوهر المسائل لا ينقلب بمجرد تبدل الاقنعة وفي مجتمع تحكمه أعراف الانتماء الذاتي.
يصبح صنع القرار إعادة انتاج لنفس البصمات. ومن أهم العبارات التي قالها فيلبي في تلك الحقبة: (ان الاختراق السياسي البريطاني للجزيرة العربية قد بلغ بالفعل مبلغاً بعيداً أكثر مما ينبغي وما يزال يسعى لكي يتمادى ابعد مما ابلغ).
ان السياسة البريطانية التي رسمت في مواقع تواجدها في الشرق الأوسط هي مثل الأمراض الجلدية التي وان رحلت عن الجسد لكنها تترك آثارها عليه كي لا يعود إلى سابق وضعه الانساني.
وفي الجنوب ما زال هذا الوضع متحكماً في المشهد السياسي، وبالرغم من المسافة البعيدة بين ما قيل وما يجري اليوم تفرض الأقوال نفسها على ما يدور من تحدٍّ ورفض عند الأطراف المعنية.
من خلال لقاء فيلبي مع بعض شخصيات حضرموت سطر في كتابه هذه العبارات: (لقد حدثني أحد موظفي السلطان بصراحة شديدة بأن عرب حضرموت ليسوا مؤهلين للاستقلال ولا يرغبون حتى فيه، وهم راضون وقانعون باعتمادهم على الحماية البريطانية، اضافة إلى انهم سيكونون أكثر سعادة لتعاون ابن سعود إذا تمكن الأخير من تبرير الأمر بحصافة ولباقة مع البريطانيين).
هل كانت نظرة فيلبي منذ ذلك العهد تصل إلى نقطة التقاء الأزمة في دائرة اليوم؟
ومن وثائق تلك المراحل نقدم هذه الوثيقة:
وثيقة رقم 23 A
التاريخ 22 سبتمبر 1936م.
الموضوع: ملخص المخابرات السياسية رقم 502 عن الأسبوع المنتهي في 9 سبتمبر 1936م ـ 6003.
لايزال الحاج عبدالله فيلبي في المكلا ينتظر قطع الغيار لسيارته ومن المقرر وصولها له يوم الخميس 10 سبتمبر.
يقال انه اخبر حضرميين بعينهم بالمكلا ان الملك بن سعود ينوي بناء طريق من حضرموت إلى مكة. ويقال ان هذه المعلومة قد انتجت ترحيباً غير قليل في الدوائر الحضرمية. ارسل الممثل المقيم بالانابة هنا، وبموافقة حكومة جلالة الملك، برقية لاسلكية إلى المستر فيلبي طلب منه فيها سحب السعوديين المسلحين في رفقته من محمية عدن بأسرع فرصة ممكنة، محيطاً اياه بانه وفي اية واقعة يكون من الأفضل له ان يحيط هذا المقر أولاً قبل اتمام رحلته.
احاط فيلبي الممثل المقيم بالانابة باحتمال ان تكون عودته عن طريق بيحان، وقد تمت إعادة تذكيره بأن بيحان وقبيلة بلحارث في الشمال الشرقي هما أيضاً تحت حماية الحكومة البريطانية.
بلبلة حول مرخة بسبب فيلبي
وثيقة رقم A30
التاريخ 10 ديسمبر 1936م
كاتب الأصل: المقر عدن.
الموضوع: ملخص المخابرات السياسية للأسبوع المنتهي في 25 نوفمبر 1936م
6146: المرجع فقرة 6095 ـ ابلغ الحاكم (شريف) بيحان ان أحمد ناصر القردعي عاد من نجران إلى مرخة أول نوفمبر بتعليمات من الملك عبدالعزيز ليخص وينصح أهل مرخة ان يكونوا اما تحت حماية السعودية أو الحكومة البريطانية.
تم توجيه الشكر لحاكم شريف بيحان على تقريره، واحيط بأن مرخة تقع سلفاً تحت حماية حكومة جلالة الملك بموجب معاهدة مع سلطان العوالق، وانه ليست لدى الحكومة البريطانية أية نية لتسليم مرخة أو أي جزء من محمية عدن لقوة أجنبية أو خارجية مادامت نصوص المعاهدة بين حكومة جلالة الملك والرؤساء الحاكمين في محمية عدن سارية المفعول.
احيط سلطان العوالق العليا كذلك بما ورد اعلاه وطلبنا منه ان يمرر هذا إلى أهل مرخة مصحوباً بتحذير مفاده انه وإذا ما تآمروا مع قوى خارجية فانهم سيجلبون على انفسهم المشاكل، وان يخبرهم كذلك بأن الملك ابن سعود صديق لحكومة جلالة الملك وله معها معاهدة، وانه ليس للمستر فيلبي وضع رسمي وانه قد دخل إلى محمية عدن بدون اذن، وانه مجرد مسافر، وعليهم ان لا يستمعوا إلى ملاحظات اناس غير مسؤولين.
عن البحث في مناجم شبوة لم يقدم لنا غير اشارة عابرة عن وجود النفط في هذه الارض، ربما هنالك معلومات رفعها إلى جهات خاصة فيها القدر الأكبر مما يخص هذا الجانب وفي هذا يقول: (والمنجم نفسه عبارة عن تجويف يمتد لعمق ثلاثين قدماً، ومساحة مسطحة تبلغ حوالي خمسين قدماً في كل اتجاه والطبقات الصخرية الممتدة فوق الملح وتحت الغطاء الطيني ذات لون أسود تشبه البترول او القار «البيتومين» ومتقشرة نسبياً وناعمة. وقد هبطت داخل المنجم بمنحدر حاد من فتحته.
وتظهر خطوط على جدار الملح من اثر الضرب بالآلات مستدقة الرأس).
من خلال هذا الوصف الموجز لمواقع الثروة في شبوة يدل هذا الكلام على خبرة فيلبي في ما يوجد في باطن الأرض والمناجم. هو خبير في هذا، فلم تكن الرحلة إلى حضرموت وشبوة لعرض قياس ما فوق الأرض من أحداث سياسية واجتماعية بل الربط بين الثروة والموقع.
وهذا من دهاء السياسة البريطانية.
بالعودة إلى وثائق المخابرات البريطانية في جزيرة العرب نرى بعضاً مما دار من عمليات رسم خرائط للمنطقة والتي كان هو مشاركاً فيها ومنها هذه.
فيلبي خبير الطرقات
وثيقة رقم A33
التاريخ 27 يناير 1937م.
الموضوع: ملخص المخابرات السياسية رقم 522 عن الأسبوع المنتهي في 27 يناير 1937م. افيد بأن المستر فيلبي عاد إلى جيزان. يقال ان ابن سعود ينوي انشاء طرق للسيارات تصل إلى الحدود اليمنية، وان فيلبي يقوم بعمليات استكشاف في البلاد في ما يخص شق هذه الطرق.
العطاس يوسط فيلبي لدى الملك
وثيقة رقم A38
التاريخ 13 ديسمبر 1938م
الموضوع: معلومات مستقاة من تقرير عن سيد حسن بن سالم العطاس، حينما كان يقيم في جيزان سافر مستر فيلبي في البلاد قبل عامين مع 70 جندياً سعودياً، وبما انه اصطحب جنوداً سعوديين فقد استنتجنا ان فيلبي واحد من الموثوقين لدى ابن سعود، ولذلك طلبنا منه ان ينقل رسالتنا إلى جلالة الملك ابن سعود ومفادها ان عليه ان يضم بلادنا إليه، ولكن الله وحده يعلم ما اذا كان فيلبي قد نقل رسالتنا إلى جلالته ام لا.
لقد صدقناه لانه كان مصحوباً بجنود سعوديين واعتقدنا انه مسلم صادق وخادم مخلص لابن سعود.
وبما أن الإمام وابن سعود اهملا اتخاذ أي خطوة، وبما أنه لم يكن بالبلاد أي نظام، فقد استغل الإنجليز الفرصة، وبما أن بعض الشيوخ قد حولوا من مصلحتهم السياسية إلى ذلك الجانب، وكذلك بنتيجة انهم حصلوا على السيطرة علينا.
في الوقت الحالي لم يخاطب احد هذه الأوضاع السيئة، وهي تسير الآن بحذر وهناك اصلاحات عديدة قيد الاعتبار مثل الطرق والمستشفيات والمساعدات الطبية ... الخ. لا تمقت غالبية الجمهور هذا، ولكني علمت أن الرجال قلقون حول مستقبلهم بما أنهم يعتقدون أن حريتهم ستضيع.
وثيقة رقم: A 26.
كاتب الأصل: محمية عدن.
التاريخ: 14 أكتوبر 1936.
الموضوع: ملخص المخابرات رقم 507 عن الاسبوع المنتهي في 14 أكتوبر. هناك احاطات بأن الملك اليمني سمع إن فيلبي يقوم برحلة في حضرموت، وأن ذلك قد أثار فضوله، وهو يذهب إلى حد الظن بأن الحكومة البريطانية وابن سعود قد وصلا إلى تفاهم حول مستقبل حضرموت.
حول ثروة حضرموت وأهمية مساحتها الجغرافية ما بين الساحل والوادي، يرسم لنا كيفية صنع تلك الاستراتيجية في قيادة الوضع في هذه المنطقة، وهو وإن كان ينطلق من الخبرة البريطانية في ما يطرح، لكنه لا ينفي حضور مكانة حضرموت في هذا الراهن حيث يقول: (ومع ذلك ـ وفي خضم هذه الفوضى ـ بدأ ضوء خافت من الاهتمام بشؤون حضرموت يظهر شيئاً فشيئاً في الخطط البريطانية؛ لان كل فرد كان يعلم على العكس أن المنطقة الداخلية ربما كانت تعج بمناجم الذهب ومنابع البترول والامكانيات الزراعية.
وكانت تنمية موارد الأمبراطورية هي حديث الساعة. وهكذا في عامي 1918 و1919م، وأخيراً جاء إلى حضرموت اثنان من المسؤولين البريطانيين من ذوي الكفاءة المعترف بها في المهام الموكلة إليهما.
فقد وصل السيد لي وارنر ـ الذي توفي مؤخراًـ من هيئة مستعمرات المضايق، لإجراء فحص عام للظروف السياسية والاقتصادية والزراعية في وادي حضرموت. وكان تقريره المثير بشدة للاهتمام قد طبع كما ينبغي كوثيقة إدارية سرية، ولم يصل أبداً إلى دائرة القراء الأكثر اتساعاً والتي يجدر بها أن تطلع عليه.
وكان السيد ليتل، من إدارة العلوم الطبيعية المصرية، عالماً في الجيولوجيا ولا يزال تقريره المنشور يعد العمل القياسي عن جيولوجيا حضرموت.
ولسوء الحظ لم يتغلغل في الوادي العظيم نفسه، والذي كانت حافته الجنوبية تقريباً آخر حدود دراساته.
ولم تستطيع الحكومة البريطانية أن تجد سبباً يرضيها أو يسرها في نتائج أربعة عقود من حمايتها للوادي. وعلى كل حال، فقد أثارت فعلاً همتها الآن لتساهم في رعاية شعب الوادي ورفاهيته، وفي اثناء تنفيذ ذلك فقد اعدت نظرية مثيرة للتساؤل بقدر ما، مؤادها أن المنطقة الداخلية كانت بالضرورة ملحقات طبيعية لموانيها. ولقد كانت هذه نظرية ملائمة على الرغم من أنها تتعارض تماماً مع الحقائق الاقتصادية).
وفي دراسة أخرى يوضح الدكتور صبري فالح الحمدي، بأن فيلبي لبى رغبة ملك السعودية عبدالعزيز آل سعود بالذهاب إلى الجنوب لرسم خرائط توضح الحدود بين اليمن والسعودية، وكانت بداية الرحلة في شهر مايو 1936م والتي قطع فيها أراضي صحراوية واسعة اتسعت مساحتها إلى نحو من ربع مليون ميل مربع ومن المناطق التي مر فيها عسير ووادي نجران، وبعدها إلى حضرموت والشحر والمكلا وشبوة على ساحل بحر العرب، وبعدها مر بطريق العودة بآثار مأرب، ومنها إلى ميدي في الطريق إلى جدة.
وقد ذكرت المصادر البريطانية، أن رحلات فيلبي إلى مناطق الجزيرة العربية كانت لها نتائج هامة في المسائل الاقتصادية للسعودية برزت بعد ذلك حيث افادت منها الشركات الأمريكية في التنقيب عن النفط والغاز والمعادن، وهي معلومات عديدة في مؤلفاته الهامة، كذلك عن طريق الخرائط التي رسمها عن تلك المواقع بكل تفاصيلها.
التاريخ هنا لا يحسب بقياس الانفراد، ولكن بمسافات الأمم وصناعة مصائرها.
وفي الحاضر وحين ننظر إلى تاريخ جزيرة العرب وفي العصر الحديث لا يمكن إسقاط اسم هاري سانت جون فيلبي، الذي يقف اسمه إلى جانب لورانس العرب وهنري شكسبير وبيركس كوس وجيرتورد بيل ممن كانت لهم اسهامات في صنع السياسة البريطانية، ليس في ذلك الوقت فحسب، بل هي ما زالت تلقي بما صنعت من معالم فوق رمال العرب من انعطافات ومجريات في إعادة تشكيل هوية المكان والتاريخ.
المراجع
1ـ بنات سبأ ـ رحلة في جنوب الجزيرة العربية.
تأليف: هاري سانت جون فيلبي.
ترجمة: يوسف مختار الأمين.
الناشر: مكتبة العبيكان ـ المملكة العربية السعودية.
الطبعة الأولى: عام 2001م.
2ـ جون فيلبي والبلاد العربية السعودية في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود 1915 ـ 1953م.
الناشر: الدار العربية للعلوم
الطبعة الأولى: 2013م.
3ـ وثائق المخابرات البريطانية.
1929 ـ 1948م
المصدر: دائرة المستعمرات البريطانية
الجزيرة العربية.
