أعلن النظام الإيراني مؤخرًا قبوله بالتفاوض بعبارات حاول فيها أن يبدو وكأنه يذهب إلى التفاوض غير مكره، في حين يدرك الجميع أنه لم يقبل التفاوض إلا بعد أن أخذ النظام يتهاوى بضغوط داخلية وخارجية.
منذ الوهلة الأولى يبدو وكأن إيران قد صممت المشروع النووي من بدايته لا كجزء من قوتها العسكرية، وإنما كقوة ضغط ومساومة مع المجتمع الدولي للقبول بمشروعها السياسي التوسعي.
والسؤال: هل هذا هو الهدف الذي ستسعى إيران إلى تحقيقه من مفاوضاتها القادمة مع أمريكا والمجتمع الدولي؟!
يعاني النظام من انقسامه إلى جناحين: أيديولوجي وآخر براجماتي. وفي حين يحاول الجناح البراجماتي أن يتصدر المشهد بخطاب سياسي مرن يوحي للعالم أن النظام يمتلك من العناصر الداخلية القادرة على قيادة تحوُّلٍ يتفق مع دعوات المجتمع الدولي لإعادة هيكلته سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، فإن الجناح الأيديولوجي الذي يمتلك القوة العسكرية والأمنية الضاربتين، الحرس الثوري، ومخلفات السافاك الشهير، ومن ورائهما مؤسسة المرشد، يمارس نفوذه الأقوى بالإبقاء على منهج وفلسفة النظام، مع إعطاء الآخر قدرا من المساحة لتبييض هذا المنهج.
وصلت أزمة النظام الإيراني الداخلية إلى درجة بات معها مستعدًا للتضحية بالبرنامج النووي، لإدراكه أن إصراره على إنتاج القنبلة النووية سيدفعه إلى مواجهة خيارات استراتيجية أشد خطورة عليه، وقد تمتد هذه الخطورة إلى تهديدات وجودية. مما جعل قادة النظام يفكرون بتحويل المشروع النووي إلى قوة ضغط ومساومة لإعادة بناء مقدراته الأساسية، بحيث يتم التنازل عنه مقابل:
- رفع العقوبات الاقتصادية كاملة عن إيران.
- الحفاظ على البرنامج الصاروخي مع تعديلات لا تمس كثيرًا من فعاليته.
- السكوت عن أذرعها المليشاوية وتركها لترتيبات إقليمية بمساعدة دولية.
هذا ما ستركز عليه إيران في مفاوضاتها القادمة مع أمريكا بحضور دولي وإقليمي.
غير أن الإقليم والمجتمع الدولي، الذي هرع بكل ثقله لمنع الضربة العسكرية الأمريكية على إيران، لا بد أن له مطالب حيوية هو الآخر يريد تحقيقها من وراء هذه المفاوضات، وكلها تصب في اتجاه واحد وهو تغيير منهج وفلسفة هذا النظام، وإعادة دمجه في النظام الدولي وفقًا للمعايير المتفق عليها في العلاقات الدولية بين الأمم.
ولذلك، فإن الجانب الذي لا يقل أهمية عن النووي والمتمثل في أذرع النظام المليشاوية، والتي تجسد بُعده الأيديولوجي والانقسامي التوسعي، والمشروع الصاروخي، من وجهة نظر الإقليم والمجتمع الدولي، لا بد أن يكونا ضمن المفاوضات التي سيشكل الاتفاق بشأنهما صفقة تحول دون النتيجة التي يتطلع إليها قادة النظام الإيراني الذي يخاتل بالنووي للحصول على مقدرات اقتصادية وسياسية ومعنوية تمكنه من توفير شروط الاستمرارية بزخم أكبر من خلال رفع العقوبات، واستمرار مشروعه التوسعي من خلال أذرعه المليشاوية ونظامه الصاروخي.
لا يجب أن تترك المفاوضات للتقديرات الخاصة بالحسابات الأمريكية وإسرائيل، فالمنطقة التي تضررت من هذا النظام ودفعت الأثمان الباهظة من حاضرها ومستقبلها لا بد أن يُسْمع صوتها حينما يتعلق الأمر يتسوية شاملة تجبر هذا النظام على التخلي عن سلوكه المؤذي وخياراته المدمرة، واحترام القانون الدولي، والالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى في المنطقة.
