الدخول في مرحلة تغيير الخرائط وإعادة رسم نقاط التقاطع عند محاور الصراع
ما بين دول انهارت ودول في طريقها إلى السقوط سوف تطرح جغرافيات التشرذم




14 أكتوبر / خاص:
نجمي عبدالمجيد:
ظلت مسألة الدولة والسلطة في الشرق الأوسط لعدة عقود تعاني من صراعات الهيمنة على الحكم مما جعلها غير قادرة على بناء دولة المجتمع المدني وصنع حقوق المواطنة.
لذلك صارت وليدة الانقلابات والعنف والرعب البوليسي والحروب الأهلية والانقسامات الحزبية والولاء للمذهب والقبيلة والطائفة وكل أنواع الهدم للاستقرار السياسي، وهو ما أوصل هذه المجتمعات في الشرق إلى حقبة الهدم الكامل.
حين تطرح اليوم خرائط تغيير المنطقة سوف تجد الأرضية المساعدة بل الفاعلة في اسقاط الدولة العربية والذهاب بها إلى عصر الدويلات، وهذا لا يكون إلا بعد ما عززت في العقول والأنفس نزعات التطرف والولاءات الذاتية وجعل الوعي الذاتي ـ المنفرد هو الوطن والانتماء المجتمعي.

- سلاح القوة الضاربة لن يكون مجرد آلية تدمير بل فرض وقائع ليس من السهل تجاوزها
- - ثروات المنطقة سوف تتحول من عوامل نهوض إلى مسببات للحروب والصراعات
- عدة دول في الشرق هي اليوم في المنطقة الرخوة ولا يمكن إقامة أية مشاريع سياسية فيها
شرق أوسط جديد لا تقام دعائمه إلا عبر الهدم، ونظرية الهدم هنا لا تطبق إلا عبر قتل أكبر عدد من شعوب المجتمع في المنطقة وغرس سياسة التحالفات المرحلية التي لا تستقر الى هدف محدد، وهذا الأمر لا يقود إلا إلى تصاعد الصراعات الدموية دون الوصول إلى حل.
ولعل أخطر ما يستخدم في هذا التفجير تحويل الدين من خطاب مقدس إلى ايديولوجية سياسية وجعل المذاهب افكاراً انتحارية.
هذه هي من أكبر نقاط التصادم في المجتمعات الشرقية ولها في عمق الذات التاريخية من المرجعيات ما يقوي مكانتها في شحن قوة التفجير عند العامة من الناس.
لذلك نشهد اليوم دولاً تتحول إلى كيانات وكيانات تصبح جماعات، حيث يعاد تشكيل وعي الأجيال الجديدة وحسب علو صوت النزعة الفردية وكل اشكال الولاءات، وكل ما يرسم خرائط بعث العنف المسلح. ولا نغفل في هذا مكانة الثروات التي لم تعد عامل بناء عند عدة شعوب بل دخلت في اطار المراهنات الدولية والاقليمية على الاستحواذ عليها وجعلها مصادر لشراء السلاح والمرتزقة والفرق المتقاتلة.
في خضم هذا العنف تصبح قضية وجود الدولة المؤسساتية من خرافات الماضي، وحين يصبح كل مكان له فرقة مسلحة هي من تحدد الهوية السياسية المسيطرة عليه، فهي ليست في الوطن الواحد إلا هيمنة احتلالية من قبل فئة هي دخيلة عليها، وفي أفرادها جماعات مختلفة لا خطاب معها إلا عبر السلاح ولها سند ومرجعيات في الوعي الثقافي الحربي ما يعزز هذا الاعتقاد.
في الشرق الأوسط غرست كل هذه العوامل عبر تراكم حقب الصراعات في داخل مكونات الدولة الوطنية والتي عجزت عن خلق المواطنة فلم يكن البديل سوى الانقسام الجغرافي في الأنفس وعلى الأرض.
لقد طرحت أكثر من رؤية حول العلاقة في الشرق بين مفهوم الدولة وأساليب الممارسة.
ومما قيل في هذا الجانب: ليست الديمقراطية هي الحل الدائم لكل الشعوب. فبعض الأمم التي مازالت تدور عقلياتها في حفر الانقسامات الداخلية لا يفيد معها مثل هذا النموذج من الحكم.
لذلك تصبح السلطة القمعية هي العلاج الوحيد للسيطرة على الوضع. لكن على الحاكم تسويق شعارات الحرية والعدل والاخاء وفي نفس الوقت عليه ان لا يسقط السيف من يده.
لان هذه الشعوب التي ظلت لقرون لا ترى في السلطة غير المكاسب والولاءات الشخصية، لا يمكن ان ترتقي إلى مستوى الوعي الذي وصلت إليه الشعوب المتحضرة.
فالحرية عندها هي، والحكم هو السطو على خيرات البلد، والاخاء يعني توزيع مراكز الدولة على الاقارب والبطانة الفاسدة.
لذلك على الحاكم في بيئة مثل هذه قيام حكم القوة القاهرة التي تحفظ توازن المجتمع.
فإن خرج الشعب عن هذا سوف يسحل في الشوارع. لكن عندما تضرب الدولة بيد من حديد تعرف هذه الشعوب الجاهلة انها تقع تحت إرادة تملك المقدرة على لجم تهوراتها التي تضرب المجتمع في مقتل.
فالشعوب الواقعة تحت مستوى التاريخ هي أضعف من ان تصنع مشروعها السياسي والاقتصادي. فهي ان وصلت إلى السلطة لا تنتج إلا المزيد من تدمير المجتمع.
لهذا يكون على من يحكم صنع آليات تدمير المجتمع والدولة بقوة القهر، وقد أكدت الأوضاع في الدول التي دخلت محرقة الحروب الأهلية والصراعات الحزبية ان الحرية التي كانت تطالب بها الشعوب المتخلفة ما هي إلا رغبة للسطو على الحكم وافراز دورة جديدة من التناحر الاجتماعي.
لذلك نجد معظم الشعوب التي خاضت الكفاح الوطني والثورات لم تنجز غير التآمر على نفسها، لانها بمجرد الوصول إلى الحكم تعاملت مع الدولة بعقلية نفي الآخر وهو هنا من كان شريكاً في الأمس بالكفاح والنضال.
لكن عقلية الغنيمة تصبح هي القوة المسيطرة، وكل فئة ترى في نفسها صاحب الحق في ملكية الدولة فتدور عجلة التطاحن حتى يسقط كل من ظن انه قد انفرد بالحكم.
هنا نجد في الشرق خير دليل على ما وصلت إليه الأمور من دمار للأوطان والشعوب.
ولا تكتسب الافكار قوتها المادية إلا عندما تدخل في صدام مع الواقع، وهي عملية اختبار لما تحمل من مقدرة على صنع حتمية المواجهة، وكلما تصاعدت حدة الاحتكاك بين الفكر والواقع تداخلت عدة عناصر، تعمل على استمرارية هذا الوجود المستمر لمفارقات التناحر.
الدول العربية التي دخلت في متاهات الحروب الأهلية عبر عقود تعد اليوم في إطار المجتمع المنهار، وهي في خارطة الشرق الأوسط الجديد ذاهبة نحو التقسيم إلى دويلات، وغيرها دخلت إلى مرحلة التصارع في قياداتها ولن تجد نفسها إلا في نفس مصير السابقة.
عام 2026م عام الحروب في الشرق الأوسط، إنه ليس مجرد كلام في التلاعب السياسي مع الحفاظ على المحاور السابقة.
تهدف هذه الحرب الكبرى في الشرق إلى وضع الثروات والمواقع الهامة تحت نفوذ أمريكا. بما يعني السقوط الكامل لسيادة الدول العربية، وربما تصبح مجرد دوائر ومربعات ليس لها صفات الظاهرة الصوتية.
في هذا ما يعني جعل إسرائيل مركز صنع القرار في المنطقة.
هذا لا يكون كما يجب إلا بخلق كيانات تابعة لمحور إسرائيل، وهو ما يجري العمل به وسط هذه العواصف النارية. إن صناعة الجغرافيا المغايرة لا تكون إلا مع صنع قيادة المرحلة وهم ما يطلق عليهم في النظريات السياسية، رجال في الزواية المظلمة.
لكل حقبة انفجار شظاياها المتطايرة وحرب لبنان التي انفجرت عام 1975م كانت بداية الطريق نحو حروب أهلية عديدة أخذت طابع التواصل المشتعل والحرائق الدائمة.
ولأن عقليات السلطة العربية ما زالت لا تنظر إلى أبعاد الحدث، تعاملت مع كل حدث على أنه حالة آنية سوف تذهب مع الوقت.
لكن نرى في الراهن الرصاصة الأولى في كل الخراب قد تحولت إلى طوفان من نار يحصد لهيبه الجميع.
هنا ندخل في نظرية: سياسة المزارع المسلحة.
كي تزع بذرة جديدة في الأرض، عليك إحراق الأشجار القديمة، بل انتزاعها من جذورها وقطعها بالفأس.
لكن هناك حالة تسبق هذا وهي الفوضوية الجماهيرية: هي من حالات الواقع السياسي فلا توجد جماهير تشعر برغبة في كسر حصارها إلا وكانت الفوضى بكل اشكالها من أخطر عوامل تحركاتها.
لكن هذه الفوضى متى ما وجدت عقلية سياسية تمتلك مقدرة التنظيم وصياغة العمل الميداني، تتحول إلى قوة قتالية واجتماعية هائلة تصنع الموقف السياسي الذي يصل نحو الهدف .
فهي تخرج من حالات التشرذم والتفكك إلى مستويات القيادة والإدراك وتصنع مشروعها الاستراتيجي الذي يؤسس لقيادة المراحل.
لقد وجدت الدولة في المشرق من خلال صناعة الأزمات وكل تحول في الصراعات ينتج دولة مختنقة بالانفجار وحتمية الانقلابات، من هذه الساس في العجز التاريخي تراكمت أفعال وعوامل وعقائد لا تقف على ارضية مشتركة تتقارب فيها الرؤية. إن الحروب ليست مجرد صراعات تنفجر في مجتمع معين، بل هي ايديولوجيات تعمل على غرس أفعال سلوكية في العقول والانفس وحتى قتل الضمائر. إن حالات التدمير والرعب والخوف والجرائم والرغبة في الانتقام التي تغرسها أفعال العنف في كيان الفرد والمجتمع، تجعل من قوة النار القتالية العقيدة المقدسة عند من يحمل السلاح في الحروب. فلا تتخطى نظرته للأمور مسافة القوة القاهرة التي تخرج من سلاحه. في حالات مثل هذه لم تعد من علاقة بين الفرد والحياة إلا بما يحدث فيها بقدر ما يستطيع من دمار بكل ما يحيط به فهو لا يرى بالواقع سوى نيران يجب أن تظل مشتعلة.
إنها قدسية النار وموت الحياة، وكلما طالت مدة الحرب تترسب في تركيبة النفس القوى الظلامية التي لاترى في الوجود غير المزيد من مساحات الموت. وهذه حالات عدة دول في الشرق، الحروب هي المستقبل .
إن المجتمعات التي تسير إرادتها عبر عناصرها المناطقية والقبلية والمذهبية وكل ما يحكم بقوة التفريق، هي أبعد ما تكون عن المقدرة على صناعة وعي المجتمع المدني، فهي لا ترى في قوة الذات إلا في فعل العنف، وبقدر ما تفرض من أفعال الجريمة، وترى أن هذا هو الحق والمنطق في التحكم والقيادة في المجتمع.
إن هذا التراكم من الانهيارات لسياسة الدولة و القادة في المجتمع الشرقي، وفشل أعمال الاحزاب، خلق حالة الردة في الوعي الجماهيري ودفع بها للعودة إلى عقليات الكهوف المظلمة. لذلك حين عادت الجماهير إلى ساحة المواجهة لم تمتلك من سلاح الفكر إلا الصدام مع نفسها.
من هنا تشرذمت أهدافها وتمزقت كياناتها لأن النظرة لديها لم تعد تشمل الأمة والوطن، بل هي منكمشة في إطار القصور الذاتي لمنزلة الفردية.
السلاح والحرب والمقاتل كلها أفعال لا تعني إلا الدفاع عن مصالح ورغبات لجماعات هي محاطة بطوق نزعاتها التي لا تقبل بالآخر، بل هو في مرمى الهدف المطلوب ، بل وصل إلى المسافة صفر من خطة الاغتيال.
إن وضع شعوب الافقار والحاجة في دوامة التناحر وجعل مسائل الاستقرار من الأحلام الوردية التي لن تنالها، هي من مخطط عمل القوى المهيمنة على خيرات الأمم.
عند هذه الحدود من اوضاع السياسة المفرغة لوعي الأمة من قيادة أوضاعها ، يُطرح بعض من علاج القضايا، لكنه نوع من علاج التخدير المؤقت الذي يطيل تدهور جهاز المناعة في جسد الشعب.
نحن أمام مرحلة إسقاط ما بقي من أنظمة في الشرق، بما يعني أن الخرائط الجديدة هي واقع التنفيذ اليوم. ومهما كانت مقدرة الرفض أو التصدي فهي مثل النزع الأخير في جسد الميت.
شرق أوسط جديد، دول سوف تغيب من خرائط العالم لتحل مكانها كيانات لها من مساحات الحضور حيثما توجد نزعاتها الفردية.
غير ان وضع السقوط لن يكون خالياً من كشف حسابات دورات التصفية؛ لأن كل نظام في الشرق له من جرائم الحكم ما يعزز عقيدة الانتقام.
إنها تلك الدائرة المغلقة للعقل العربي من نفس النقطة ننطلق وإليها نعود (سياسة الدوران في الفراغ)، وهذا سوف يعيد الشرق تحت وصاية الغرب من جديد، ولكن هذه المرة بعد إحداث أكبر قدر من الدمار في هذه الأمة.

