نبض القلم
التربية بالقدوة منهج تربوي متكامل، وخطة محكمة لنمو الإنسان وتنظيم مواهبه وحياته النفسية والانفعالية والوجدانية والسلوكية واستنفاد طاقاته على أكمل وجه.والتربية بالقدوة أسلوب عملي من أساليب التربية، وهو يحتاج أن يكون المربي قدوة أمام الناشئ المراد تربيته، فيسارع إلى المبادأة والتضحية، ويمتنع عن سفاسف الأمور، فالطفل في البيت لابد له من قدوة في أسرته ووالديه لكي يتشرب منذ الطفولة المبادئ السامية، والنهج القويم، والتلميذ في المدرسة لابد له من قدوة يراها في معلميه ومدرسيه، ليقتنع حقاً بما يتعلمه، ويرى فعلاً أن ما يطلب منه من سلوك يمكن تطبيقه فهو يراه مجسداً في سلوك معلميه ومدرسيه.ولقد جعل الإسلام من شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة دائمة ومتجددة للأجيال عبر العصور، فهو لم يعرض هذه القدوة للإعجاب السالب بها في دنيا الخيال، وإنما يعرضها على الناس ليحققوها في ذوات أنفسهم بقدر ما يستطيع كل منهم.وحاجة الناس إلى القدوة نابعة من غريزة تكمن في نفوسهم أجمعين، وهي غريزة التقليد والمحاكاة، وهي رغبة ملحة تدفع الطفل إلى محاكاة الكبير، وتدفع الضعيف إلى محاكاة سلوك القوي، وتدفع المرؤوس إلى محاكاة سلوك الرئيس.. وهكذا.والتقليد يرتكز على عدة عناصر منها:* الرغبة في المحاكاة والاقتداء، فالطفل أو الشاب مدفوع برغبة خفية لا يشعر بها، نحو محاكاة من يعجب بهم، فيحاكيهم في كلامهم، وفي حركاتهم، وأساليب معاملاتهم، ويتعدى ذلك إلى محاكاتهم في سلوكهم، ولا يقتصر هذا التقليد على السلوك الحسن، بل قد يتعداه إلى السلوك القبيح، فالشخص المتأثر يتقمص - عادة - شخصية المؤثر كلها أو بعضها، ولذلك كان لابد أن تكون القدوة حسنة.* الاستعداد للتقليد، فلكل مرحلة من العمر استعدادات وطاقات محدودة، لذلك لم يأمر الإسلام الأطفال بالصلاة قبل سن السابعة من العمر، ولكن ذلك لا يمنع من جعل الطفل يقلد أبويه بحركات الصلاة قبل أن يبلغ سبع سنين، ولكن لا يؤمر بكل أذكارها، بما يعني أنه يجب على المربي أن يحسب حساباً لاستعدادات الطفل عندما يطلب منه تقليد أحد أو الاقتداء به.* أن يكون للتقليد هدف، فإذا ارتقى الوعي عند المقلد عرف الهدف من التقليد، فأصبح هذا التقليد عملية فكرية، يمزج فيها بين الوعي والانتماء والمحاكاة والاعتزاز، ويصبح لهذا التقليد الواعي في التربية الإسلامية اسم آخر هو الاتباع، وأرقى أنواعه ما كان على بصيرة، أي على معرفة بالهدف.وينتقل تأثير القدوة إلى المقتدي على شكلين هما:- تأثير عفوي غير مقصود، وهنا يقوم تأثير القدوة على مدى اتصافه بصفات تدفع الآخرين إلى تقليده، كتفوقه في العلم، أو القيادة، أو الإخلاص... الخ، وفي هذه الحالة تكون تأثير القدوة عفوياً غير مقصود، وهو ما يقتضي أن يكون الناجحون والمشاهير من رجالات العلم والأدب ونحوهما على قدر من الشعور بالمسؤولية أمام المعجبين بهم لأنهم سيقلدونهم، ولابد أن يكونوا حذرين في الظهور أمام المعجبين بهم بالصورة الحسنة، والسلوك الطيب.- تأثير مقصود، وهو ما يجب أن يكون فيه المربي أنموذجاً في سلوكه ومعاملاته، لأن تلاميذه أو أبناءه سيحاكونه ويفعلون كما يفعل، فالولد الذي يرى أباه يكذب لا يمكن أن يكون صادقاً، والولد الذي يرى أمه مستهترة لا يمكن أن يتعلم الفضيلة، والولد الذي يرى أباه قاسياً في معاملته، لا يمكن أن يتعلم الرحمة، والولد الذي يرى أباه أميناً وصادقاً ومخلصاً ونشيطاً وجاداً، ووفياً، فإنه سيتأثر به، وسيعمل على محاكاته وتقليده في الأعمال الحسنة.. وهكذا فإن للقدوة الحسنة أثراً كبيراً في نفوس الأطفال.[c1]* خطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان) [/c]
