نبض القلم
تذكر كتب التاريخ والسِّير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان حريصاً على أموال الدولة، وكان يحاسب ولاته، ويحصي أموالهم قبل الولاية، وهو ما يعرف في أيامنا بإقرار الذمة المالية، ليحاسبهم فيما بعد على ما زادوه، وكان يقول لهم : “إنما بعثناكم ولاة، ولم نبعثكم تجاراً” لئلا يتعلل أي من الولاة بالتجارة، عند إحصاء ماله بعد انتهاء الولاية وظهور زيادة غير متوقعة في الأموال التي جمعها في أثناء اشتغاله في الولاية، لذلك كان يرصد الرقباء والعيون من حولهم ليبلغوه عما ظهر وما خفي من أمرهم، وكان يأمرهم أن يدخلوا المدينة نهاراً عند رجوعهم إليها بعد انتهاء ولاياتهم،ليظهر على الملأ ما حملوه، وكان من عادته أن يأخذ المال الزائد عن المعقول ويضمه إلى بيت مال المسلمين.وكان قد وشى إليه واشٍ بعمرو بن العاص واليه في مصر، قائلاً : إن حال عمروا بن العاص قد تحسن كثيراً بعد توليه أمر مصر، فصار يمتلك الخيل والإبل والبقر والغنم والعبيد ونحوها، في حين أنه كان قبل ذلك لا يمتلك شيئاً، وعند ذاك كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص كتاباً قال فيه : “بلغني أنه كثر مالك من خيل وإبل وبقر وغنم وعبيد، وعهدي بك قبل ذلك أن لا مال لك، فمن أين لك هذا؟.فكتب إليه عمرو بن العاص قائلاً : أما بعد، فإنه قد أتاني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه أن مالي قد زاد وكثر، وأنه يعرفني قبل ذلك أن لا مال لي، وإني أعلم أمير المؤمنين أني ببلد السعر فيه رخيص، وإني أباشر من الحرفة والتجارة ما يعالج أهله، وفي الرزق سعة، ووالله لو رأيت خيانتك حلالاً ما خنتك.فكتب إليه عمر فقال : والله، لا أتحمل وزر ما يخفيه كلامك، وإن أخرجته مخرجاً حسناً، ولكنكم معشر الأمراء لن تعدموا عذراً في الاستيلاء على أنفس الأشياء وأغلاها، فأنتم بذلك تأكلون مالاً حراماً، وما يؤدي بكم إلى العذاب يوم القيامة.نفهم من ذلك أن عمر بن الخطاب وهو رئيس الدولة آنذاك قد أشار في رسالته إلى مبدأ مهم من مبادئ الإدارة في الإسلام وهو مبدأ (من أين لك هذا؟). مطبقاً بذلك مبدأ المحاسبة الذي دعا إليه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وطبقه عملياً في إدارة الدولة الإسلامية التي أسسها في المدينة المنورة، ذلك أنه كان قد استعمل رجلاً من الصحابة ليجمع أموال الزكاة والصدقات، فلما رجع الرجل حاسبه، فقال الرجل : هذا لكم، وهذا أهدي إلي، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : “ما بال الرجل نستعمله على العمل بما ولانا الله، فيقول : “هذا لكم، وهذا أهدي إلي، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه، فينظر أيهدى إليه أم لا”.[c1]* خطيب جامع الهاشمي الشيخ عثمان[/c]
