نبض القلم
لقد أوتيت النفس البشرية ثلاث قوى وهي : قوة التمييز، وقوة جلب المنافع، وقوة دفع المضار، وبعبارة أخرى: العلم والشهوة والغضب، وكل واحدة منها عرضة للضعف وللقوة ومجاوزة الحد، وقابلة للاعتدال ، ولا تكون واحدة منها فضيلة الا إذا الزمت حد الاعتدال، فلم يعترها الضعف، ولم تجاوز الحد، فمتى لزمت حد الاعتدال كانت حميدة الأثر، جميلة العقبى، وقد جعلوا لها أسماء بحسب حالاتها قوة التمييز عند اعتدالها حكمة، فإذا ضعفت وقصرت كانت غباوة وجهلاً وإن جاوزت حد الاعتدال كانت خبثاً ومكراً، وسموا قوة الشهوة عند اعتدالها عفه ، فإن قصرت وضعفت كانت جموداً وبلاده ، فإن جاوزت الحد كانت شرهاً. وكذلك قوة الغضب تعتدل فتكون الشجاعة، فإن نقصت كانت جبناً، وإذا زادت كانت تهوراً، والفضيلة في كل واحدة فيها هي الاعتدال والتوسط ، حتى سموا اجتماع تلك الفضائل الثلاث بالعدل. ولقد نهجت الشريعة الإسلامية أسلوباً متميزاً في تربية هذه القوى الثلاث، فمثلاً في تربية القوى العلمية يقول الله تعالى: ( ولا تقف ماليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً) الاسراء 36فهذه الآية تربي في النفس قوة التفكير وضبط العقل عن أن يجري وراء الأوهام بعبارة تشعر بالاشفاق على من يسمعها والرأفة به كيلاً يضيع جهده عبثاً، فنهته عن أن يقفو أي يتبع ويسترسل وراء أمر لم يتبينه، ولم يحط به علماً حتى لايذهب سعيه سدى ودعت بأسوب من شأنه أن يحل في النفوس الرشيدة أمكن الحلول ، فصورت التقتير بابشع صورة إذ جعلته من باب غل اليد إلى العنق ، وتقييدها به تقييداً يشل حركتها ويعطل منفعتها، ويجعلها فاقدة الفاعلية، فما أبشع جعل اليد مربوطة بالعنق، ففي ذلك مضايقة كبرى، وعادت الآية لتشير إلى الطرف الآخر وهو أن يبسطها كل البسط فتطيش حركتها ، وتتلف صاحبها، وتضيع ثمرته، ثم رتبت على ذلك النتيجة المنتظرة وهي أن يقعد المرء ملوماً محسوراً ، ولايجد من يشفق عليه ولاينصره . أما أسلوب الشريعة في تربية قوة دفع المضار ، يتمثل فيما يقصه علينا القرآن الكريم في نصح المهتدين للضالين، في قوله: ( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين) القصص 77. فقد نبهت الآية كل إنسان إلى أن ما فيه من نعم إنما هي هبات من الله أتاه إياها لينتفع بها في الحياة الدنيا أيما انتفاع، ثم أبانت الاعتدال في ذلك بأنه لاينسى نصيبه من الدنيا. فالآية تفيد أمرين: الأول : الا ينسى الإنسان نصيبه من الدنيا، وأن يمتعها في الحدود التي رسمها الله. والثاني: الا ينسى النصيب الأوفر الذي يستفيده من دنياه لآخرته. والنصيبان مما تحرص النفوس الرشيدة على بلوغهما ، ثم جاء التوجيه الإلهي يقول : ( وأحسن كما أحسن الله إليك) ففي ذلك تذكير للإنسان بأن مقابلة الإحسان بالإحسان هو من أعظم الصفات التي يتصف بها الإنسان الكامل، فما أعظم قيمة النفس التي تقابل الإحسان بالإحسان، وهل يخفى على أحد مستوى دناءة النفس التي تقابل الإحسان بالإساءة. وما أجمل قول الشاعر: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإحسان إنساناً [c1]* إمام وخطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان) [/c]
