نبض القلم
إن حياة كثير من الناس ليست سوى يوم واحد متكرر، برنامجهم في الحياة أكل وشرب ونوم تخللها أحيانا مضغ القات، وفي هذه الحالة يكون أمسهم كيومهم ويومهم كفدهم ، فهؤلاء لا قيمة للزمن عندهم، فلو عمر الواحد منهم مائة عام، فكأنه عاش يوماً واحداً ، فعمر الإنسان لايقاس بعدد السنوات التي عاشها في الحياة، وإنما يقاس بما أنجز من أعمال وما قدم من خدمات ، وماترك خلفه من آثار تدل على وجودة ، فقد يوفق المفكر في لحظة من يومه إلى فكرة تسعد الناس من بعده أجيالاً ، وقد ينجز المرء عملاً جليلاً في بعض سنوات عمره يسعد آلاف البشر، وقد يهتدي القائد في لحظة إلى طريقة تنقذ جنوده من الهزيمة وتدفع بجيشه إلى النصر فالحياة بالنسبة لهؤلاء وإن قصرت تساوي عمر أمة ، فالعبرة ليست بعدد السنوات التي عاشها الإنسان وإنما بالكيفية التي أمضى بها حياته. ولكن معظم الناس في بلادنا للأسف يعنون بالكم لا بالكيف في تعاملهم مع الأمور كلها، فالطفل في نشأته يرغب بالكم من الهدايا التي تعطى له بصرف النظر عن نوعيتها ، والناس في حياتهم ينخدعون بكم السلع التي يشترونها لابنوعيتها ، وقد عرف الباعة فيهم هذه الخاصية فصاروا يتعاملون مع زبائنهم وفقاً لهذه القاعدة ، فالناس ينخدعون بالعدد، لأنهم يعنون بالكم لا بالكيف، لذلك لا غرابة أن نجد بائع الموز مثلاً ينادي زبائنه بقوله: ثلاثة كيلو بمائة ريال، في حين كان بالأمس يبيع الكيلو الواحد بمائة ريال، وشتان بين السعرين ، ومثله يفعل بائع العطور المتجول في عربته ، فتراه يبيع زجاجة العطر بمئتي ريال، في حين تباع الزجاجة ذاتها في الدكان بأربعمائة أو خمسمائة ريال وإذا بحثت عن السبب يقال لك إن النوعية تختلف ، أي بإمكانك أن تشتري زجاجتين من العطر من الشارع بسعر زجاجة واحدة من الدكان ، والذي يحدد فارق السعر هنا هو النوعية لا الكمية أي الكيف لا الكم . ولقد مر الإنسان في بلادنا بمراحل زمنية تم فيها خداعه بالكم على حساب الكيف ، فعلق في ذهنة تقدير الكم ولم يستطع الفكاك من هذا الوهم، الراسخ في اللاشعور ، الا ترانا أحياناً نرى الرجل حسن الهيئة جميل الطلعة فنمنحه الاحترام والتقدير، حتى لو لم نعرف شخصيته ؟ لأن تقويمنا قد بنى على أساس المظهر لأعلى أساس الجوهر، حتى يثبت العكس ، وفي الوقت نفسه قد نحتقر رجلاً ذا هيئة وضيعة مع أنه في حقيقية ذو منزله رفيعة عند الله ، وفي الحديث الشريف :( رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره) وليس ذلك الأ من خداع الكم. وليس عجيباً أن صار الكم هو المعيار لدينا لتقويم الأشياء ، ولذلك صار من السهل خداعنا فعالم الدين بالنسبة لأكثر بدأن بدأت يكون ملتحياُ ولابد أن يلبس عمامة وثوباً أبيض ، فلولبس بنطلوناً ومشى حاسر الرأس فليس عالماً يروى في ذلك أن رجلاً قصد الإمام أبا حنيفة ، فدخل عليه فوجده محاطاً بالدارسين في إحدى حلقات المسجد ، فسأل عنه ، فأشاروا إليه به ، ولم يصدق الرجل أن الذي أمامه هو أبو حنيفه ذاته ، والسبب أن أبا حنيفة وقتها لم يكن لابساً عمامته ، فبادره أبو حنيفة قائلاً : ماذا تريد؟ أنا أبو حنيفة؟ ، فقال الرجل لا ليست أبا حنيفة إن أبا حنيفة يلبس عمامة ، وقد كنت أريد أن أساله مسألة فقهية ، فلوكنت حقاً أبا حنيفة فأين عمامتك؟ فقال : إن كنت تريد أن تسأل العمامة فهاهي ، وأشار بيده إلى عمامة. ويروى كذلك أن رجلاً دخل على أبي حنيفة في مجلسه ، وكان أبو حنيفة قد مد رجليه في المجلس لعدم وجود كلفة بينه وبين طلبته ، ولكنه لما رأى الرجل قادماً وهو بهيئة العلماء اضطر ان يضم رجليه مع أنه مصاب بالفالج ، تقديراً لمكانة العلماء ، ولكن الرجل سرعان ما أبدى ما خفي من شخصيته ، من خلال أسئلته التافهة التي سألها ، فما كان من أبي حنيفة إلا أن يقول : آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه. وهناك أمثلة كثيرة من الحياة تظهر مدى اهتمام الناس بالكم لا بالكيف ، فالصحف كثيراً ما تتباهي بكثرة التوزيع ، وكثيراً ما تفخر بزيادة صفحاتها ، مع أن محتوى الصحيفة لا قيمة له. وبعض المتعلمين كثيراً ما يباهون بشهاداتهم العلمية ، في حين أن حصيلتهم العلمية ضحلة، وبعض المؤسسات كثيراً ما تعلن عن تحقيق بعض المنجزات من الناحية الكمية ، أما من الناحية النوعية قلا قيمة لتلك المنجزات ، وبعض الموظفين أو العاملين قد يمضون في الخدمة عشرات السنين ، ولكن خبرتهم الحقيقية سنة واحدة مكررة ، وبعض الكتاب يتباهون بكثرة المؤلفات التي ألفوها ، في حين أن معظمها تفتقر إلى الإتقان، وبعض الشعراء يتباهون بكثرة الدواوين التي صدرت لهم، مع أن واحدة منها لم تقرأ ، ومناهج التعلم تعنى بحشد أذهان التلاميذ بمعلومات جافة ولاتعنى بنوعية المادة التعليمية ، ونظام التعليم يعنى بكثرة المدارس وأعداد الطلاب ، ولا يعنى بتحسين نوعية مخرجات التعليم .وهكذا في سائر شؤون الحياة ، فالكم يغلب على الكيف ، مع أن الكيف هو معيار الجودة والإتقان ، حتى في العبادة فركعتين بخشوع خير من عشرة ركعات بلا خشوع ، وصدقة جارية ، خير من صدقة يتبعها أذى ، وعلم ينتفع به خير من علة يتباهي به صاحبه ، وولد صالح خير من عشرة أولاد لا فائدة منهم.. وهكذا .وصدق رسول الله القائل :( إذا مات أبن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له) وهي أعمال دائم ثوابها. ( رواه مسلم )* إمام وخطيب جامع الهاشمي – الشيخ عثمان
