نبض القلم
ديننا الإسلامي دين عالمي، ودستور للناس أجمعين، جاء لتحقيق العدالة الاجتماعية لكل البشر، فهو يسوي بين الناس من سائر الأجناس، ويمنع البغي والطغيان والجبروت عن كل بقاع الدنيا. وفي ذلك يقول الله تعالى في محكم كتابه : “قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من أتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم” (المائدة، 16).فالإسلام أتى ليضع الحلول لكثير من المشكلات الإنسانية، سواء كانت مشكلات روحية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية .. الخ وقد ربط الإسلام بين الناس برباط الدين والعقيدة، وقوّى بين قلوب المسلمين بالمودة والمحبة، وقضى على الفرقة بين البشر بمحاربته للعنصرية، ونهيه عن التفاخر بالأحساب والأموال والأنساب، أو التباهي بالمناصب والألقاب.وكذلك كان من المفروض أن يكون الناس في ظل الإسلام متساوين في الحقوق والواجبات، فهناك واجبات اجتماعية، على الناس جميعاً أداؤها، وفي المقابل هناك حقوق يجب على الناس جميعاً نيلها، فلا فرق في ذلك بين غني أو فقير، ولابين صغير أو كبير، حاكم أو محكوم.فلو حرص الناس على أداء واجباتهم الاجتماعية، كحرصهم على المطالبة بحقوقهم، لتعززت فيهم القيم الإنسانية، وترسخت في مجتمعاتهم المبادئ الأخلاقية، ولصلحت ضمائرهم ولصفت نفوسهم من الشرور والأحقاد والضغائن، ولامتلآت قلوبهم بالحب.غير أن واقع الحال في المجتمعات الإسلامية في عصرنا هذا عكس ذلك تماما، فالتمايز الاجتماعي والطبقي واضح للعيان، سواء بين الأفراد أو بين الجماعات أوبين الدول الإسلامية، ففي المجتمعات الإسلامية اليوم يوجد الغنى الفاحش إلى جانب الفقر المدقع، كما يوجد الأقوياء الذين يستذلون الضعفاء، أو ينهبون حقوق الفقراء، أو ينتهكون كرامتهم، ويستبيحون أعراضهم، لفقدان العدالة والمساواة في معظم المجتمعات الإسلامية، لأن الناس تناسوا تعاليم الإسلام، وتخلوا عن مبادئه السامية، التي تحث على العدل والمساواة.فالواجب يقتضي أن تسعى الحكومات الإسلامية لتحقيق العدل بين الناس جميعا، ويشيع المساواة امتثالاً لقوله تعالى : “وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل” (النساء،58) وقوله تعالى : “فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا” (النساء، 135)، وبمقتضى عدالة الإسلام ينبغي ألا يؤثر غني على فقير، ولاقريب على غريب، ولاصديق على خصم، ولاتمايز بين الناس بسبب الجنس أو اللون أو المنشأ أو الانتماء، فإذا ما أنس الناس من حكومتهم العدل في توزيع الوظائف، والمناصب والثروة، اطمأنت نفوسهم، وهدأت خواطرهم، وزال عنهم الحقد والضغينة، وتلاشى الاحتقان الذي يجعلهم ساخطين، أو يدفعهم إلى التمرد واللجوء إلى الفوضى، لأن كل فرد منهم سيكون على يقين أنه لابد أن ينال حقه، وفي هذه الحالة سوف لايكون في المجتمع أشخاص ساخطون على الحكومة، أو متمردون على القوانين، ولامتذمرون من الأوضاع القائمة، الناجمة عن غياب العدل، أو عدم المساواة، وعندئذ ينجو المجتمع من الفتن والاضطرابات والفوضى.ولضمان تحقيق الاستقرار في مجتمعنا اليمني، وللخلاص من الأوضاع المضطربة حالياً، على الحكومة والحاكم أن يعملوا على تحقيق العدل بين الناس، امتثالاً لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “ما من أحد يكون على شيء من أمور هذه الأمة فلم يعدل فيهم إلا كبّه الله في النار”.وكان الرسول صلى الله عليه وسلم مثلاً أعلى في رعايته للعدل، ونموذجاً يحتذى في تحقيق المساواة، ومما يروى في ذلك أنه كان حريصاً على تحقيق العدالة حتى مع نفسه، ويروى أن رجلاً من عامة الناس قاضى النبي محمداً صلى الله عليه وسلم في دين عنده، فأغلظ الرجل عليه في القول، فرآه عمر يفعل ذلك فهمّ أن يضرب الرجل، لغلظته مع الرسول، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : مه ياعمر، كنت أحوج إلى أن تأمرني بالوفاء، وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر”.ويروى أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في مرضه الأخير مستعيناً على الحركة بالإتكاء على الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب حتى جلس على المنبر، ثم قال : “أيها الناس، من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتص منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليقتص منه، ومن أخذت له مالاً فهذا مالي فيأخذ منه، ولايخشَ الشحناء من قبلي، فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إليّ من أخذ مني حقاً إن كان له، أو أحللني فالقى ربي وأنا طيب النفس”.فهل يا ترى يحتذي حكامنا وولاة أمورنا في البلاد الإسلامية عامة وفي بلادنا خاصة، بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يكره أن يميز نفسه وأهله عن الناس بشيء، ومن ذلك أنه كان يطوف مرة بالبيت العتيق فظميء، فقال : اسقوني، فأحضروا له ماء من الذي يشربونه، فقال بعض الصحابة : إن هذا الماء يخوضه الناس، لكننا نأتيك بماء من البيت، فقال: لاحاجة لي فيه، اسقوني مما يشرب منه الناس.لقد كانت العدالة هي مصدر الأمن والأمان في المجتمع الإسلامي، وفي ظل العدالة شهد المجتمع الإسلامي الاستقرار، وفي ظلها كان الحاكم يعيش آمناً على نفسه وعلى روحه وماله وعلى سمعته، فلا يخشى من القتل، لذا لايحمي نفسه بالحراس، بل يحميها بالعدل والمساواة بين الناس، ومما يروى أن رجلاً قصد عمر بن الخطاب حتى انتهى إليه، فوجده في المسجد نائماً، فاندهش الرجل أن يكون أمير المؤمنين من غير حراسة، فقال : “عدلت فأمنت فنمت).[c1]إمام وخطيب جامع الهاشمي - الشيخ عثمان[/c]
