نبض القلم
لم تود النفس المؤمنة أن تجد من حولها متنفساً تستريح فيه من الشكوى والأنين, وكم يتمنى المسلم الغيور أن يستقيم أمامه الطريق حتى يهدأ ويطمئن, وكم يتمنى المرء أن يستقر للتأمل في جمال الكون, ويستمتع بالطيبات من الرزق, وبما شرع الله من أسباب الخير ووسائل النعم, ولكن ماذا يصنع المرء وهو يكاد لا يخلو من شجن حتى يصطدم بشجن آخر؟ وما يفرغ من هم حتى يواجه هماً آخر, فيظل مرغماً على مواصلة الشكوى والتوجع والبكاء.ماذا يفعل المرء والحوادث المؤسفة تتوالى أمامه تدل على سوء حال هذه الأمة, وماذا يصنع المسلم والشواهد تتكاثر حوله تدل على أن هناك حرباً واسعة منظمة ضد الإسلام, وتعاليمه وأخلاقياته وقيمه النبيلة وأهدافه السامية, ونبيه العظيم؟وماذا يفعل وهو يرى حرباً ضروساً تشن على الإسلام تسفر كل يوم عن وجوهها الكالحة, وأساليبها الخبيثة, في كل مناسبة؟وماذا يفعل وهو يرى أعداء الإسلام ينشرون جنودهم في كل مكان, للتربص بالإسلام والمسلمين, ويتسع نطاق أنصارهم وأعوانهم يوماً بعد يوم في وسائل الإعلام المختلفة, بما تقدمه من ألسنة وأقلام وصحف ومجلات وكتب ونشرات القوى المعادية للإسلام التي تملك أعواناً وأموالاً ونفوذاً في كثير من دول العالم المعاصر, فهي تتفنن تفنن الشياطين في الكيد للإسلام, وتشويه سمعته, والإساءة إلى رموزه, وأعلامه, وعلمائه, حتى وصل الحال بها إلى التطاول على شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم, كما فعلت بعض الصحف الدينامركية سيئة السمعة, حين عمدت إلى نشر صور كاريكاتورية ساخرة, لتشويه صورة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في نظر الغربيين, وذلك للحد من انتشار الإسلام في أوروبا المعاصرة التي صارت دولتها تضم جاليات إسلامية كبيرة تتزايد في كل سنة, على نحو لا تستطيع إيقاف توسعها.وما أن سمع المسلمون في جميع أنحاء العالم بما فعلته تلك الصحف الدينامركية من إساءات للرسول الأعظم حتى تداعت جماهير الأمة في كل مكان للمطالبة بمقاطعة البضائع الدينامركية كرد فعل انفعالي لتلك الرسومات سيئة السمعة, متناسين أن تلك الرسوم لا تسيء إلا لأصحابها, أما النبي صلى الله عليه وسلم فهو أسمى من أن يمس, وأعظم من أن ينال منه أعداء الإسلام, الذين عجزوا عن النيل منه في حياته, وحتماً سيعجزون بعد مماته.ولقد تناسى المتطاولون على النبي أنهم بفعلتهم النكراء تلك, إنما يمحصون الأمة الإسلامية, ويزيلون عنها الأخلاط والشوائب التي لصقت بها بفعل سنوات التخلف والفرقة, نسوا أو تناسوا أن الذهب بين المعادن هو أغلاها قيمة, وأعلاها مكانة, وأن هذا المعدن النفيس الأصيل لا يتم صفاؤه, ولا يتجلى نقاؤه, ولا يكمل تماسكه واستحكامه إلا بعرضه على النار لصهره وتمحيصه لإزالة ما علق به من أخلاط وشوائب, وهذا هو شأن الأمة الإسلامية اليوم, فهي تتعرض للاختبار والتمحيص لمعرفة مدى صلابتها وتماسكها, ومدى قدرتها على مواجهة المخاطر التي تتعرض لها, ومدى تحملها للشدائد التي تواجهها.وليس بخاف أن هذا الاختبار الذي تمر به الأمة الإسلامية اليوم إنما هو اختبار لقوة عزائمها, وهو مهما بلغت شدته إنما هو من أقوى الأسباب الموصلة للكشف عن معدن الأمة وجوهر شعوبها, فالأمة التي لا تتعرض للتجارب والمصاعب تكتب على نفسها دواعي فنائها, والأمة التي لا تمتحن في إرادتها يكتب عليها الهلاك, والأمة التي لا تشد المؤامرات من عزائمها يكتب عليها الشقاء.والقرآن الكريم يسوق لنا بعض ألوان التجارب والامتحانات لتصفية نفوس المسلمين, وتقوية حواس المؤمنين, وتجلية معادنهم الكريمة وجواهرهم الأصيلة, وذلك في قوله تعالى:«وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين».ومعروف أن الصراع أمر مألوف بين أهل الحق وأهل الباطل, ويشتد هذا الصراع ضراوة وشراسة إذا وقع بين فريق غادر فاجر, يمتلك الطاقات والإمكانيات ما يزيد في بغيه وفجوره, وبين فريق محدود الطاقات وقليل القدرات, لكن أصحاب المبادئ والدعوات يظلون متمسكين بحقوقهم, وثابتين على مبادئهم, حتى يبلغوا غايتهم, ويحققوا إراداتهم.ولقد تعرض المسلمون الأوائل لمواقف شتى من الصراع, تآلبت ضدهم القوى الفاجرة والجموع الباغية, فما وهنوا ولا استكانوا, بل كافحوا وقاوموا, وهم يرددون شعارهم العظيم: «ربنا افرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين».* إمام وخطيب جامع الهاشمي – الشيخ عثمان
