نبض القلم
يتباين الناس في إقبالهم على العمل وأدائه، فمنهم من إذا كلف بعمل ما،أو طلب إليه أداء مهمة من المهام، فإنه يؤديها في أدنى صورها، وأقل أشكالها، وأضعف أحوالها، لا يبذل فيها أي جهد، ولا يرهق بدنه أو عقله في سبيل أدائه، ومنهم من يقبل على عمله بنشاط وهمة، فيؤديه في جد واجتهاد، ويحرص على أن يكون عمله في أحسن صورة، ويكون إنتاجه في أفضل أحواله وأتم أشكاله.وربما يرجع سبب هذا التباين إلى عوامل داخلية وعوامل خارجية، أما العوامل الداخلية فهي النابعة من النفس المتأثرة بالموروثات الثقافية، أو متأثرة بعواطف الإنسان وعقائده، التي تكيف حسه ووجدانه. وأما العوامل الخارجية فهي تلك التي تمليها ظروف البيئة المحيطة به، أو المناخ الذي يعمل فيه، أو نظام المجتمع الذي يعيش فيه.فالإنسان المؤمن بالله يعلم علم اليقين أن الله يحصي كل ما يصدر عنه، وهو الذي يعلم السر وأخفى، وبالتالي فإنه يرى أن الله تعالى هو الذي يقدر الجزاء العادل الذي لا ظلم فيه ولا إجحاف، وهو الذي يقدر المسؤولية الملقاة على عاتقه، ويحس بواجباته تجاه وطنه، وبالتالي يكون مطمئناً إلى الجزاء العادل، ومرتاحاً للتقدير الكافي والتشجيع المناسب، فينشرح صدره، وهو ما يدفعه إلى بذل الجهد، ومضاعفة نشاطه في العمل، وزيادة حماسه لأداء الواجب.وليس بخاف أن الاستقرار السياسي، ونزاهة المسؤولين، وإخلاصهم للوطن، وتقديرهم للعاملين، ومحاربة الرشوة والمحسوبية والإقصاء أو التهميش في أي مجتمع، بالإضافة إلى تعاون الزملاء في العمل، يؤدي إلى انسجام الرفقة وإلى الرضا الوظيفي في المؤسسات والمرافق، وهو ما يغري العاملين على مضاعفة الجهود، وعندئذ تهون عليهم ما يلاقونه من آلام ومتاعب في سبيل تحسين الإنتاج وإتقان العمل.إن القيام بأي عمل في ظل توافر العوامل المشجعة على أدائه يؤدي حتماً إلى وفرة الإنتاج وإتقان العمل، كما يؤدي إلى قلة التكاليف، وبالتالي تقليل المدة التي يستغرقها تنفيذ المشروعات، وتقصير المسافة وتقريب الغايات.كما يؤدي إلى راحة الضمير حين يطمئن المرء لإبراء ذمته في أداء واجبه على نحو أفضل، بالإضافة إلى ما يحصل عليه المرء من احترام الناس له، وتقديرهم لجهوده.ومن ينظر إلى المجتمعات عبر التاريخ يرى أن تقدم البشرية ورقيها قام على أكتاف الفئات المخلصة من المواطنين، الذين آمنوا بحقوق مجتمعاتهم عليهم، وبمسؤولياتهم تجاه أوطانهم، فبذلوا جهوداً جبارة في ميادين العلم والكشف والاختراع، وفي مجالات الاقتصاد والعمران، فأبلوا بلاءً حسناً في السياسة وفي الحروب.والإسلام في حقيقته وجوهره لا يريد للمسلم التخلف في أي مجال من مجالات الحياة، لذلك هو لا يرضى للمسلم أن يؤدي واجبه في أدنى الصور وأضعف الأحوال، بل يدعوه إلى السعي نحو الكمال في كل شيء، ويدفعه إلى بذل الجهد ومضاعفة النشاط ليصل إلى أقصى غاية يستطيعها، فهو يحث العامل على إتقان العمل وإجادته، ففي الحديث الشريف فيما رواه البيهقي أن النبي محمداً “صلى الله عليه وسلم” قال: “ إن الله يحب أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه” فهو يطمئن العامل على نتيجة عمله، ويأتي ذلك مصداقاً لقوله تعالى: “ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً” “ الكهف، 30” وهو حين يقرر هذا المبدأ الذي يغري بإحسان العمل يقرر في الوقت نفسه أن الناس يتفاوتون في درجة الإجادة والإتقان وأن العاملين يختلفون في تقدير قيمة ما يحسنون، ولذلك هم مختلفون في الجزاء، إذ أن مكافأة كل منهم بقدر ما أنتج وأحسن، بحيث لا يغمط حق المجتهد لينشرح صدره، ويبعث الهمة في نفوس غيره لينافسوه واللحاق به في الإجادة والإتقان. قال تعالى:” ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون” “الأحقاف، 19” وقال تعالى:” ويؤت كل ذي فضل فضله” “هود،3”. [c1]* خطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان)[/c]
