نبض القلم
من الحكم المتداولة :( خير الأمور أوسطها) ويشرح بعض الفقهاء هذا التعبير بقولهم: إن كل خصلة محمودة لها طرفان مذمومان، فإن السخاء وسط بين البخل والتبذير. والشجاعة وسط بين الجبن والتردد، ويرى الإمام الغزالي أن الفضيلة وسط بين الرذيلتين، ويحدد الفضائل النفسية بأربع فضائل هي: الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة، فالحكمة في نظره فضيلة القوة العقلية، وهي وسط بين رذيلتي الخبث والبله، والشجاعة فضيلة القوة الغضبية، وهي وسط بين رذيلتي التهور والجبن، والعفة فضيلة القوة الشهوانية وهي وسط بين رذيلتي الشره والخمود، والعدالة التي هي عكس الجور، هي وسط بين رذيلتي الغبن والتغابن. ويرى ابن قيم الجوزية أن لكل صفة سلوكية حداً لاتتعداه، فلا ينقص ولايزيد، والا انقلب ضده، فللحسد حد هو المنافسة في طلب الكمال والأنفة من أن يتقدم عليه نظيره، فمتى تعدى ذلك صار بغياً وظلماً ، وللشهوة حد وهو راحة القلب والعقل من كد الطاعة واكتساب الفضائل، ومتى زادت عن ذلك صارت نهماً وشبقاً، والتحق صاحبها بدرجة الحيوانات، ومتى نقصت عنه ولم يكن فراغاً في طلب الكمال والفضل كانت ضعفاً وعجزاً ومهانة.. والجود أيضاً له حد بين طرفين وللتواضع حد إذا جاوزته صار ذلاً ومهانة، ومتى قصرت عنه انحرف بك إلى الكبر والفخر، وللعز حد إذا جاوزته كان كبراً، وإن قصرت عنه انحرف بك إلى الذل والمهانة وضابط هذا كله هو العدل ، الذي هو الأخذ بوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط. وقد استخدمت كلمة (العدل) هنا بمعنى التعادل، أي أن يكون الشيء معادلاً للشيء الآخر، وجاء في الحديث الشريف :( إذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة).. (البخاري، جهاد، 4) .ولا يختلف عاقلان أن الوسط أقرب إلى الفطرة السليمة، فأجمل حبات العقد في وسطه، فهذا الشاعر ابن الرومي يبكي ابنه الأوسط الذي كان قد شغف به حباً ، وقد شبهه بواسطة العقد لنفاسته، في قوله: توخى حمام الموت أوسط صبيتي[c1] *** [/c]فلله كيف اختار واسطة العقدوليس يخاف أن الإمام في الصلاة يتوسط المصلين، لأن الوسط مركز القوة ، فمن موقعه في وسط المصلين يستطيع توجيههم وإرشادهم، وخط الوسط في لعبة كرة القدم هو محور الارتكاز، والشمس تكون أقوى تأثيراً عندما تكون في وسط السماء، في رابعة النهار، والقمر يكون أكثر بهاءً عندما يكون في وسط الشهر القمري، والإنسان يكون أقوى ما يكون في مرحلة الشباب، التي هي وسط بين مرحلتي الضعف: ضعف الطفولة وضعف الكهولة، ومركز الدائرة في وسطها، والبهلوان الذي يسير على الحبال يحمل في يديه العصا الطويلة من الوسط لتعينه على التوازن وعدم السقوط، والخيام تنصب على الأعمدة، وأهمها العمود الوسط، المتميز في حجمه وشكله وطوله ومكانه. وقيل قديماً: الناس ثلاثة أصناف : أغنياء وفقراء وأوساط، فالفقراء موتى إلا من أغناه الله بعز القناعة، والأغنياء سكارى إلا من عصمه الله، وأكثر الخير مع الأوساط، وأكثر الشر مع الفقراء والأغنياء، لسخف الفقر وبطر الغنى. ويقال : فلان أوسط قومه، أي من خيارهم، والرجل الوسيط هو الحسيب في جماعته، وهو أوسطهم نسباً وأرفعهم مكانة.ووسطية الإسلام منهج شرعي خص الله به أمة الإسلام، التي جمع الله لها في دينها بين الحقين : حق الروح وحق البدن، فهي أمة مادية روحية، فقد أعطاها دينها جميع الحقوق الإنسانية وجعلها الله أمة وسطاً بدينها إن عملت به ، وتمسكت بأخلاقه، وحرصت على تعاليمه. وتقسم وسطية الإسلام بالتوازن في التفكير، والتوازن المراد ليس نقطة وسط بين الخير والشر أو الحق والباطل، ولكنه انحياز كلي إلى ماهو خير وحق، مع الاعتراف بوجود الضد لكل منهما.والوسط يفيد معنى البعد عن الإفراط والتفريط، فالإفراط هو الزيادة عن المطلوب في الأمر، أما التفريط فهو النقص عنه، وكلا الأمرين الإفراط والتفريط انحراف عن الطريق المستقيم، وكلاهما شر ومذموم، والخيار هو الوسط بين طرفي الأمر ، أي التوسط بينهما.ولقد أراد الله لأمة الإسلام أن تكون وسطاً بين الأمم لخيريتها، قال تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ).. (البقرة 143). [c1]إمام وخطيب جامع الهاشمي - الشيخ عثمان[/c]
