أطياف
رفع الاب البعيد سماعة الهاتف .كن فتياته الصغيرات .يكلمنه و يسألنه كل بحسب حاجتها. سألته الابنة الكبرى أن يعطيها مالا لتشتري ملابس العيد .وسألته الأخرى ذات السؤال .إلا أن سؤال إبنته ذات السادسة من العمر كان الأروع والاقرب إلى قلب الاب .أخذت تقول له بكل فرح ولهفة وبراءة الطفولة (( بابا أشتي حق النقشة )) !وتعني نقشة العيد التي تدخل الفرح والسرور في قلوب البنات الصغيرات .أدخل طلب الابنة الفرح إلى قلب الاب الذي يعمل ليل نهار ليوفر له ولبناته كل ما يحتاجونه ونسي تلك الاعباء والضغوطات التي يتطلبها العيد ويعاني منها الاغلبية خاصة قرب الاعياد والمناسبات الخاصة ..وتذكر الاب قول المتنبي قبل أكثر من ألف عام حين قال : (( عيد بأي حال عدت يا عيد )) ! ففي ظل عسرين عسر الغلاء وعسر البطالة وبينهما خط الفقر استقبل الناس العيد .وحقيقة أن الناس أستقبلوا العيد ولم يخفوا سخطهم وتذمرهم من الغلاء والفقر.وحقيقة اخرى أن الشواطئ والشوارع والمنتزهات كانت عامرة بالناس والبهجة والحركة .أصحيح إذا أن الانسان غير قنوع بما لديه ؟وهل صحيح أن الشكوى من العيد ليست جديدة ؟ألا يدل قول المتنبي قبل ألف عام من الان أنها تتكرر كل عام بل كل قرن !ألم يضج المتنبي بالشكوى من أن العيد لا يأتي بجديد كما هو حال العيد السابق ؟ورغم أن الناس تشكو كل عيد لكنها أيضا تغني في كل عيد وتفرح في كل عيد وتبتهج في كل عيد .الفقر موجود بصورة دائمة ، والاعياد أيامها محدودة وكما لايمكن فصل الزمان عن المكان لايمكن أيضا فصل المكان عن بيئته الجغرافية والطبيعية الاقتصادية والسياسية و لايمكن فصل الاعياد وإن كانت محدودة عن البيئة المحيطة بها وبضمنها الفقر الذي أصبح مشكلة عالمية وليست يمنية فقط !لقد أصبح الفقر والفقراء في الاونة الاخيرة قضية سادت معظم كتاباتنا .إن الفقر أصبح مشكلة بارزة تمتد لاكثر من نصف قرن .فقد إزداد الحديث عن الفقر والفقراء في النصف الثاني من القرن العشرين .وفي أدبيات ووثائق الامم المتحدة اتسع مفهوم الفقر كظاهرة إجتماعية في نطاق المجتمع الواحد إلى ظاهرة عالمية تقسم العالم إلى دول غنية وأخرى فقيرة .ومؤخرا إتسع مفهوم الفقر وفقا لمعايير التنمية البشرية إلى ما هو أخطر. تأملوا في تقارير الامم المتحدة إطلعوا عليها جيدا .يبلغ سكان العالم 6 مليارات إنسان .ملياران منهم غير قادرين على القراءة والكتابة .مليار ونصف لا يحصلون على مياه شرب نقية .وهناك طفل من كل ثلاثة يعاني من سوء التغذية .ومليار فرد يعانون من الجوع ، بالاضافة إلى 3 ملايين طفل في العالم يموتون سنويا حتى اليوم الخامس من ميلادهم لسوء الرعاية أو نقص التغذية أو ضعف الحالة الصحية للأم . وربما عرفتم أن هناك كسادا إقتصاديا وزيادة حجم الديون الخارجية .هناك تدهورفي معدل النمو الإقتصادي وغلاء الاسعار .وهناك أيضا تضخم في العملة النقدية وإنتشار البطالة عانت منها الدول الفقيرة بلا استثناء خلال العقدين الماضيين وفق سياسة مكافحة فقر فاشلة على المدى القصير . إذا مشكلة الفقر قديمة جديدة .فإذا كانت شكوى المتنبي من العيد الذي لم يأت بجديد تعد شكوى قديمة جديدة ، فإن شكوانا من أعيادنا بل ومن كل عام جديد تستدعي منا إعادة قراءة أسباب الفقر .إننا مطالبون بالتمسك بحب الحياة والاصرار على أن تكون حياتنا جميلة بأكبر قدر من الانجاز والتفاؤل و الامل بالحاضر والغد والحياة السعيدة ..وكل عام وأنتم ونحن بألف صحة ورضا وسعادة .
