نبض القلم
بعض الناس في المجتمع ينتجون سلعاً وبعضهم يؤدون خدمات ، والمجتمع بمجموع أفراده في حاجة ملحة إلى سلع ليستهلكها ، وإلى خدمات لينتفع بها وينتج عن ذلك نشاط اجتماعي ، وتبادل اقتصادي بين الناس ، من خلال البيع والشراء.ولما كانت عملية البيع والشراء من الأمور التي قد تؤدي إلى التنازع بين الناس ، فإن ديننا الإسلامي قد نظم هذه العملية تنظيماً محكماً، لأنه نظر إلى الأعمال التجارية نظرة تقدير وإكبار ، وأعتبر التجارة عملاً جليلاً ، لأنها مقياس رقي أي مجتمع وميزان تقدمه، لذلك رغب الناس في الاشتغال بالأعمال التجارية ، وشجعهم على تبادل السلع والخدمات فيما بينهم ، فوضع التاجر الصدوق في مرتبة الصديقين والشهداء يوم القيامة. وروى الترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري / قال : “ قال رسول الله صلى الله عليه وسالم : يحشر التاجر الصدوق يوم القيامة مع الصديقين والشهداء”.ونظراً لأهمية العمل التجاري في حياة البشر ، لا يمكن لأي مجتمع أن يستغني عنه لحاجة الناس إلى تبادل المنافع فيما بينهم ، ولتصريف إنتاجهم ، فقد شجع النبي محمد صلى الله عليه وسلم المسلمين على العمل في التجارة فقال: “ عليكم بالتجارة فإن فيها تسعة أعشار الرزق” ولذلك وضعت الشريعة الإسلامية للتجارة قوانين وضوابط لو اتبعها التجار والتزموا بها لاستقامت أمورهم ، وما كسدت تجارتهم وما بارت بضاعاتهم وما ضعف إنتاجهم ، ولما حصل للمستهلكين أي غبن أو استغلال من قبلهم .ومن أهم الضوابط تحريم الغش ،لقد حرم الإسلام الغش في التجارة ، ومنع التاجر من كتم معايب السلعة التي يريد بيعها ، ونهاه عن اتخاذ الحلف وسيلة لترويج السلعة أو لإنفاق البضاعة. وروى الترمذي عن رفاعة ابن رافع قال: “ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: يا معشر التجار ، فرفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله، وبر وصدق” وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:” سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب” وروى مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صرة طعام وأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً فقال، ما هذا يا صاحب الطعام ؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله ، قال : أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس ؟ من غشنا ليس منا “ . وروى البيهقي والحاكم عن ابن سباع قال: “أشتريت ناقة من دار وائلة بن الاسقع ، فلما خرجت بها أدركني يجر إزاره ، فقال : اشتريت ؟ فقلت نعم ، قال أبين لك ما فيها ، قلت : وما فيها؟ إنها سمينة ظاهرة الصحة ، قال : أردت بها سفراً أم أردت بها لحماً ؟ قلت أردت بها الحج ، قال : فارتجعها ، قلت : ما أردت بهذا - أصلحك الله - إلا أن تفسد علي البيعة ، قال : أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : “ لا يحل لأحد أن يبيع شيئاً إلا بين ما فيه من عيب ، ولا يحل لمن علم بذلك إلا بينه”.ولم تقف عناية الإسلام بسلامة المعاملات التجارية عند تحريم الغش في السلع والبضائع ، ولا عند المنع عن كتم عيوبها ، ولا عند النهي عن الحلف لغرض ترويجها ، ولا عند عدم السماح بمغالطة المشتري أو البائع بالتلاعب في الكيل والميزان ، بل تجاوز ذلك إلى تحريم بيع الغرر أي التغرير بالمشتري بإيهامه أن هناك ربحاً محققاً سيجذبه من وراء تلك السلعة، إذا ما أشتراها، أو أنه سيحصل على منفعة منها ، كما نهى عن بيع المجهول كبيع السمك في البحر ،أو بيع الطير في الهواء أو بيع الفحل في بطن الناقة ، ولأن بيع الغرر يؤدي عادة إلى التنازع.كما نهى الإسلام عن بيع الثمار في الحقول قبل أن تنضج وقبل أن يبدو صلاحها من تلفها ، ذلك أنه ربما يحدث بعد التعاقد عليها أن يصيبها مرض أو آفة فتهلك ، مما يؤدي إلى حدوث نزاع بين البائع والمشتري وفي ذلك يقول الحديث الشريف فيما رواه البخاري ، أنه قال: “ أرأيتم إذا منع الله الثمرة ، هل يستحل أحدكم مال أخيه”.فإذا تعامل الناس في التجارة تعاملاً إسلامياً أمنوا من التخاصم والتنازع ، وعاشوا في سعادة ، بلا كراهية أو بغضاء ، أما إذا تعاملوا بالغش والخداع والغرر فإن في ذلك ظلماً للبائع أو المشتري ، وهو ما يؤدي إلى المفاسد الاجتماعية ، وما ينجم عنها من تنازع واختلاف وفرقة .وإذا قارنا بين المعاملات الإسلامية في التجارة والمعاملات الفاسدة الجارية حالياً في البيع والشراء لوجدنا بونا شاسعاً بينهما ، فشتان بين المعاملتين.
