نبض القلم
في ظل الممارسة الديمقراطية الجارية في بلادنا يمكن أن نختلف في كثير من الأمور، ونتفق في أخرى، لأن كثيراً من الأمور غير مستقرة ولا ثابتة، خاصة في الأمور المتعلقة بإدارة شؤون الدولة والمجتمع، فإن مقتضيات التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي قد تقتضي أحياناً إجراء بعض التعديلات في بعض الجوانب، إلا أن هناك ثوابت وطنية لا يجوز المساس بها في أية عملية تطوير أو تغيير، فهي ليست خاضعة لاجتهادات المنظرين، ولا لأمزجة السياسيين، ولا لتقلبات الأحوال، لأنها ثوابت وطنية ينبغي الحفاظ عليها في كل الظروف والأحوال، وتتلخص هذه الثوابت في الشعار الذي يردده الطلبة والطالبات في المدارس كل يوم عند وقوفهم في الطابور الصباحي قبل دخولهم حجرات الدراسة لتلقي العلم والمعرفة، فهم يرددون بحماس: «الله، الوطن، الثورة، الوحدة» باعتبارها ثوابت وطنية.ونفهم من ذلك أن الثابت الأول من ثوابتنا الوطنية هو الإسلام عقيدة وشريعة، فهذا الثابت يؤكد على أن الإسلام كان ولا يزال أساس التكوين الفكري والروحي لشعبنا اليمني فهو بمبادئه الأخلاقية وقيمه السامية، ضمير الشعب الذي يستحيل تجاهله، أو استبداله بضمير آخر، لأن الإسلام دين شامل لكل مناحي الحياة يتفق مع العقل، ويسير جنباً إلى جنب مع منطق التفكير، وهو يشتمل على كل ما يمس حاجة الناس، ففيه ما ينظم أمور معاشهم وأمور معادهم، وفيه كل ما يتعلق بحياتهم وما تتوقف عليه سعادتهم في دنياهم وآخرتهم، فلم يدع ناحية من نواحي الإصلاح إلا وتناولها، ورسم لها أحسن الطرائق وأفضلها. ولذلك فإن كل تصوراتنا للكون والإنسان والحياة ينبغي أن تنبثق من التصور الإسلامي الشامل، وأن ننهج في حياتنا العملية سلوكاً مستقيماً يؤكد هويتنا الإسلامية. وبالتالي رفض أية نظرية في الحكم أو الاقتصاد أو السياسة تتناقض مع عقيدة الشعب الإسلامية، بما يعني أنه من حق أي مواطن أو جماعة في هذا الوطن أن يمتلك الحرية الكاملة في إعلان آرائه أو أفكاره في ظل الممارسة الديمقراطية، بشرط عدم خروجه عن الإطار الإسلامي العام، باعتبار ذلك ثابتاً وطنياً لا يجوز المساس به.أما الثابت الثاني من ثوابتنا الوطنية فهو الولاء الوطني، وهو ما يستوجب حب الوطن، والحفاظ على سيادته، وعدم التآمر عليه، والعمل على تطوره ورفعته والنهوض به، وبذل الجهود من أجل الدفاع عنه، وعدم التهاون مع من يسعى للإضرار به، والضرب بيد من حديد كل من يسعى لتفتيت وحدته، وتشتيت شمله، وعدم السماح بنشر ثقافة الكراهية في أوساطه، والعمل على بث ثقافة المحبة والتسامح في جميع أنحائه. والولاء الوطني مبدأ شريف لا ينسجم بأي حال من الأحوال مع التبعية للخارج، أو العمالة للأجنبي، أو الارتهان لأعداء الوطن، تحت أي ظرف أو مبرر، ففي ظل الولاء الوطني باعتباره ثابتاً من الثوابت الوطنية يتمكن الشعب من التفاعل والتلاحم في بناء الوطن وتعميره، انطلاقاً من شعوره بالانتماء إلى وحدة اجتماعية متميزة بسلامة النهج وصحة العقيدة.أما الثابت الثالث من ثوابتنا الوطنية فهو الاعتقاد بأن الثورة اليمنية لم تكن ثورة ضد نظام حكم مستبد فاسد فحسب، أو ضد مستعمر دخيل فقط، بل إنها ثورة إنسانية ضد ركود الحياة على الأرض اليمنية، ذلك الركود الذي أبقاها تعيش لفترة من الزمن في ظلمة الجهل والتخلف، وإنها بإعلانها قيام النظام الجمهوري بأهدافه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وإنهائها الاحتلال الأجنبي، قد أعادت للدين نقاءه، وحركت جمود الزمن، وقفزت بالحياة قفزة هائلة نقلت الشعب اليمني من العهود المظلمة إلى الحياة المتطورة.أما الثابت الرابع من ثوابتنا الوطنية فهو الوحدة اليمنية أرضاَ وشعبناً، والتي جاءت لتجمع اليمنيين وتصهرهم جميعاً في بوتقة الوطن الواحد الموحد، وتوجههم نحو المثل العليا والمبادئ السامية، وتهيئ لهم أسباب السعادة والنجاح.لقد عملت الوحدة اليمنية منذ بزغت شمسها المضيئة في الثاني والعشرين من مايو 1990م على لم شتات اليمنيين، وتوحيد شملهم، وجمع كلمتهم، وبناء صرح وطنهم العزيز الغالي، فأصبح وطناً شامخاً ومهاباً.لقد جمعت الوحدة اليمنية بين اليمنيين جميعهم على اختلاف مناطقهم وتعدد قبائلهم وعشائرهم، فارتبطوا جميعاً بمصالح مشتركة رغم المؤامرات الداخلية والخارجية التي تسببت في خلق كثير من المشكلات والمتاعب التي عانى منها شعبنا ولا يزال، ولكنه بإصراره كفيل بالدفاع عن وحدته.[c1]*خطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان)[/c]
