ما قدمه المهندس أحمد الزامكي، وكيل الوزارة لقطاع الري واستصلاح الأراضي، لم يكن بياناً تقليدياً. كان تشريحاً لحالة بلد أنهكته الحروب، وأرهقه المناخ. تحديات متداخلة: جفاف متكرر، وأمطار غادرت مواسمها، وسيول تجرف ما تبقى من تربة، وغطاء نباتي يتراجع، وموارد مائية تستنزف بصمت. كل ذلك لا يهدد الأرقام في التقارير فحسب، بل يهدد حياة ملايين المزارعين الذين صاروا اليوم في مواجهة مباشرة مع تغير المناخ بلا دروع.
وهنا تكمن أهمية التحول الذي أعلنته الرؤية اليمنية. الانتقال من “الاستجابة للطوارئ” إلى “بناء القدرة على الصمود والتكيف” ليس شعاراً، بل هو إعادة تعريف للدور. لم تعد الدولة تكتفي بتوزيع المعونات بعد الكارثة، بل صارت تفكر في منع الكارثة. الإدارة المستدامة للأراضي والمياه، واستعادة النظم البيئية، وحماية المراعي والغابات، وحصاد مياه الأمطار، وتمكين المجتمعات المحلية، وبناء نظم إنذار مبكر.. كلها ليست مشاريع قطاعية، بل هي حزمة بقاء. هي اعتراف بأن الأرض إذا تعافت، تعافى الإنسان معها.
لكن الصمود لا يبنى بالخطط وحدها. لذلك حمل البيان اليمني رسالة مباشرة إلى المجتمع الدولي: كفوا عن معاملة الدول الهشة كحالات إنسانية مؤقتة. نحن أمام أزمة هيكلية تتطلب تمويلاً مناخياً طويل الأجل، وتكنولوجيا قابلة للنقل، وبنية تحتية زراعية ومائية لا تنهار مع أول موجة جفاف. مضاعفة الدعم لم تعد منّة، بل استثمار في استقرار إقليمي ودولي، لأن انهيار الأمن الغذائي في اليمن هو انهيار لآخر خطوط الدفاع في خاصرة شبه الجزيرة.
ما يميز توجه وزارة الزراعة اليوم هو إصرارها على إنزال السياسات من سماء المؤتمرات إلى حقول المزارعين. التوجيهات واضحة: أي تدخل لا يلامس الأرض مباشرة، ولا يضمن استدامة الموارد للأجيال القادمة، فهو عبء إضافي. الترجمة العملية لبرنامج الحكومة في المحافظات رغم الظروف الاستثنائية، هي اختبار المصداقية الحقيقية. فالشعوب لا تقيس الجدية بالبيانات، بل بكمية المياه التي تعود للآبار، وبكم شجرة تنجو من التصحر.
إن تأكيد اليمن على أن مكافحة التصحر مسؤولية مشتركة، هو إعلان نضج سياسي. فالدولة التي تطلب العون لا تتنصل من دورها، بل تعرض شراكة. تعاون مع المؤسسات الدولية والإقليمية، وحشد للموارد، وتنفيذ لبرامج تهدف في جوهرها إلى شيء واحد: أن لا يظل المزارع اليمني الحلقة الأضعف في معادلة المناخ.
لقد مثلت مشاركة بلادنا في COP17 تحولاً نوعياً في الخطاب. انتقلنا من سرد المأساة إلى عرض الحل، ومن لغة الضحية إلى لغة الفاعل. إن الربط الذي أحدثته رؤية الوزارة بين التكيف مع المناخ واستعادة الأراضي وتمكين الإنسان الريفي، هو الرهان الذي كان ينقصنا.
ويبقى السؤال الذي سيحكم على كل هذا: هل سيتحول هذا البيان من وثيقة في أروقة الأمم المتحدة إلى سدود حصاد، ومختبرات تربة، وشبكات ري، في وديان اليمن؟ فالتمويل هو الفيصل، والمشاريع على الأرض هي الشهادة. وما دون ذلك، سيظل الكلام الجميل عن الصمود مجرد صمود للكلام.
