
طرابلس / 14 أكتوبر / متابعات :
وقعت الأطراف الليبية المشاركة في لجنة "4+4" اتفاقها النهائي في طرابلس برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في خطوة تراهن عليها المبعوثة الدولية هانا تيتيه لتحريك المسار السياسي والانتخابي، بعد سنوات من التعثر والانقسام بين المؤسسات.
لكن الاتفاق الذي وصفته الأمم المتحدة بأنه محطة مهمة على طريق توحيد المؤسسات والاستحقاق الانتخابي، بدأ عمليا بمفارقة سياسية وقانونية لافتة، إذ غابت عنه مؤسسات ليبية رئيسية، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للدولة، بينما طلب المجلس الرئاسي الاطلاع على النص الكامل للاتفاق وملاحقه والأساس القانوني الذي يستند إليه قبل تحديد موقفه.
وهكذا ينتقل اتفاق "4+4" سريعا من مرحلة التفاوض إلى اختبار أكثر تعقيدا: هل يستطيع مسار محدود التمثيل إنتاج توافق قابل للتنفيذ، أم أن غياب بعض المؤسسات سيعيد إنتاج أزمة الشرعية التي عرقلت المسارات السياسية السابقة؟
في كلمتها خلال مراسم التوقيع، قالت تيتيه إن الاتفاق جاء ثمرة مسار تفاوضي بدأ في روما واستمر عبر 7 جولات خلال نحو 8 أشهر، بمشاركة ممثلين عن القيادة العامة وحكومة الوحدة الوطنية.
وخلال مراسم التوقيع، وصفت تيتيه الاتفاق بأنه "محطة مهمة" في طريق الأمن والاستقرار وتوحيد المؤسسات، معتبرة أنه يمثل "إنجازا كبيرا" يمكن أن يمهد لإجراء الانتخابات المؤجلة.
وركزت المفاوضات على تنفيذ أول خطوتين من خارطة الطريق التي طرحتها البعثة الأممية، والمتعلقتين بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة وضعها القانوني، إلى جانب استكمال الإطار الدستوري والقانوني المنظم للانتخابات.
وتضم اللجنة المصغرة 4 أعضاء عن كل طرف شرقا وغربا، وسبق لأعضائها أن وقعوا بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق في تونس في 20 أغسطس الجاري، قبل الانتقال إلى التوقيع النهائي داخل ليبيا.
ولجأت البعثة الأممية إلى هذا المسار بعد تعذر توصل مجلسي النواب والأعلى للدولة إلى توافق بشأن عدد من الملفات الأساسية المرتبطة بالعملية الانتخابية، وفي مقدمتها تشكيل مجلس إدارة المفوضية والإطار القانوني والدستوري المنظم للانتخابات.
واستبق المجلس الأعلى للدولة مراسم التوقيع بإعلان اعتذاره عن المشاركة والحضور، في موقف يعكس تحفظا على آلية إنتاج الاتفاق أكثر مما يعكس بالضرورة رفضا للمسار الانتخابي نفسه.
وفي خطاب وجهه رئيس المجلس محمد تكالة إلى المبعوثة الأممية، اعتبر المجلس أن القضايا الجوهرية المتعلقة بالمسار السياسي والانتخابي لا يمكن تقديمها باعتبارها توافقا وطنيا عبر مسار محدود التمثيل لم يكن المجلس شريكا في صياغة مخرجاته.
وانتقد المجلس ما اعتبره تجاوزا للتوافقات المؤسسية السابقة، خصوصا مخرجات لجنة "6+6" وتفاهمات لجنة المناصب السيادية.
أما المجلس الرئاسي فجاءت تحفظاته من زاوية مختلفة، إذ أعلن أنه لم يحصل على النص الكامل لاتفاق "4+4" وملاحقه إضافة إلى الأساس القانوني الذي يستند إليه وآلية اعتماد مخرجاته وتنفيذها، قبل تحديد موقفه من حضور مراسم التوقيع.
وانتقد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ما وصفه بالغموض الذي أحاط ببعض التفاهمات، مؤكدا أن نجاح أي توافق سياسي يرتبط بوضوح سنده القانوني والدستوري واختصاصاته، وقدرته على الصمود أمام الاختبارين القانوني والتنفيذي.
ورغم تحفظات المجلس الرئاسي، حضر عضو المجلس موسى الكوني مراسم التوقيع، مما يفتح بابا للتساؤل حول طبيعة الموقف المؤسسي للمجلس الرئاسي من الاتفاق، وما إذا كان حضور أحد أعضائه يمكن أن يعكس قبولا سياسيا جزئيا بالمخرجات، أم أنه لا يتجاوز المشاركة في مناسبة رعتها الأمم المتحدة.
وتبرز هنا واحدة من أكثر نقاط الاتفاق حساسية: الفارق بين المشاركة السياسية في مراسم التوقيع وبين الاعتماد المؤسسي والقانوني لمخرجات الاتفاق.
ورغم غياب المجلس الأعلى للدولة عن مراسم التوقيع، يؤكد عضو المجلس أحمد الأوجلي أن المجلس لم يرفض خارطة الطريق التي أعلنتها البعثة الأممية، وإنما يعترض على عدم مشاركته في الاجتماعات والمشاورات التي أفضت إلى اتفاق "4+4".
وأوضح الأوجلي بأن وصف البعثة للمسار بأنه "اجتماع مصغر" يعني، بحسب تعبيره، أن مجلس الدولة لم يكن منخرطا في تلك المشاورات، مشددا على أن المجلس يتعاطى مع المبادرات الأممية ولا يرفض خارطة الطريق.
ويعني ذلك أن مساحة الخلاف قد لا تكون مرتبطة بالهدف النهائي للمسار، أي الوصول إلى الانتخابات، وإنما بالطريق الذي ينبغي أن يقود إليها، والجهة التي تملك حق صياغة القواعد المنظمة لها.
وتبدو هذه النقطة جوهرية في الحالة الليبية، حيث لم تكن المشكلة خلال السنوات الماضية في غياب المبادرات أو الاتفاقات، بقدر ما كانت في قدرة الأطراف على تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات قانونية ومؤسسية قابلة للتنفيذ.
وحظي الاتفاق المبدئي الذي وقع في 20 أغسطس بترحيب ودعم دوليين، مع دعوات من عدد من الدول الغربية للأطراف الليبية إلى دعم التوافق وتنفيذ مخرجاته. ويمنح هذا الدعم الاتفاق ثقلا سياسيا، لكنه لا يحسم بالضرورة إشكالية النفاذ الداخلي.
فالتجربة الليبية خلال السنوات الماضية أظهرت أن الدعم الدولي يمكن أن يساعد في إنتاج التسويات، لكنه لا يكفي وحده لتحويلها إلى قواعد مستقرة، خصوصا عندما تتعارض المخرجات مع مصالح مؤسسات أو أطراف تمتلك أدوات سياسية أو أمنية أو قانونية لتعطيل التنفيذ.
ومن هنا تبدو المرحلة المقبلة أكثر أهمية من مراسم التوقيع نفسها، حيث إن نجاح "4+4" لن يقاس فقط بقدرته على جمع ممثلين عن طرفين، وإنما بقدرته على نقل التفاهم من طاولة التفاوض إلى المؤسسات والقوانين والإجراءات الانتخابية.
