تعذيبٌ جماعي لا يستثني طفلًا ولا شيخًا، ولا مريضًا ولا طالبًا، ولا بيتًا ولا مستشفى، حتى أصبح انقطاع الكهرباء جزءًا من الحياة اليومية، وكأن المدينة كُتب عليها أن تعيش في اختبارٍ لا ينتهي.
سمعنا جعجعةً كثيرة في شتاء عدن، وانتظرنا أن يخرج الطحين في صيفها، فإذا بالوعود تتطاير مع أول موجة حر، وبقي المواطن وحيدًا في مواجهة حرارة خانقة، ورطوبة مرتفعة، وانقطاع يمتد لساعات طويلة، بينما تتكرر التصريحات وتتبدل المبررات، ولا يتغير الواقع.
إن الكهرباء ليست رفاهية، بل شريان حياة. بانقطاعها تتعطل محطات المياه، وتختنق المستشفيات، وتتوقف الورش والمحال، وتفسد الأدوية والأغذية، ويقضي الطلاب لياليهم في الظلام، وتزداد معاناة كبار السن والمرضى، حتى أصبح المواطن يشعر أن الكهرباء لم تعد خدمة عامة، بل أمنية مؤجلة.
غير أن الإنصاف يقتضي التفريق بين من يعمل ومن يملك القرار. فمن الظلم تحميل المؤسسة العامة لكهرباء عدن وموظفيها (كامل المسؤولية) عن أزمة تراكمت عبر سنوات طويلة.
فالمهندسون والفنيون وعمال التشغيل والصيانة يعملون في ظروف استثنائية، ويبذلون جهودًا كبيرة للحفاظ على منظومة متهالكة تجاوز كثير من مكوناتها عمرها الافتراضي، ويواجهون أعطالًا متكررة وإمكانات محدودة ونقصًا في قطع الغيار والوقود، ومع ذلك يواصلون العمل ليلًا ونهارًا حتى لا تنهار المنظومة بالكامل.
أما أصل المشكلة، فهو أعمق بكثير من الأعطال اليومية. فمنذ عام 2014 توقفت المشاريع الاستثمارية الحقيقية في قطاع الكهرباء، وغابت الخطط الاستراتيجية التي تواكب النمو السكاني والعمراني، بينما استمرت المحطات القديمة في العمل فوق طاقتها، عامًا بعد آخر، حتى وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها الصيانة وحدها غير قادرة على استعادة كفاءتها.
وخلال تلك السنوات، اكتفت الحكومات المتعاقبة (بإدارة الأزمة بدلًا من حلها). كانت المعالجات في معظمها إسعافية ومؤقتة؛ توفير شحنة وقود هنا، وإصلاح وحدة توليد هناك، أو إعادة تشغيل محطة قديمة لبضعة أشهر، ثم تعود الأزمة أشد مما كانت.
أما المشروع الوطني الحقيقي الذي يعيد بناء قطاع الكهرباء على أسس حديثة، فلم يرَ النور حتى اليوم.
إن مدينة بحجم عدن، ومكانتها الاقتصادية والتجارية، لا يمكن أن تعتمد إلى ما لا نهاية على حلول ترقيعية. فالطلب على الكهرباء يتزايد باستمرار، بينما تبقى القدرة الإنتاجية رهينة محطات شاخت، وشبكات تحتاج إلى إحلال شامل، وتمويل غائب، ورؤية مؤجلة.
ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه المواطن ليس: لماذا تعطلت هذه الوحدة أو تأخر الوقود يومًا أو يومين؟ بل لماذا تُرك هذا القطاع الحيوي يتراجع طوال أكثر من عقد دون خطة حقيقية للإنقاذ؟ ولماذا أصبحت كل صائفة موسمًا للأزمات، وكل عام نسخة أكثر قسوة من سابقه؟
إن عدن لا تحتاج إلى بيانات تطمينية جديدة، ولا إلى وعود موسمية تتكرر مع كل صيف، وإنما تحتاج إلى قرار شجاع يعيد الكهرباء إلى موقعها كأولوية وطنية، وإلى برنامج استثماري حقيقي لإنشاء محطات توليد حديثة، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، وتأمين الوقود بصورة مستقرة، وإدارة هذا القطاع بمعايير مهنية واقتصادية تضمن استدامته.
فالتعذيب الحقيقي ليس أن تنطفئ المصابيح لساعات، بل أن تنطفئ معها ثقة الناس في أن الغد سيكون أفضل. وعندما تتحول أزمة الكهرباء إلى واقع دائم، فإن المشكلة لم تعد فنية، بل أصبحت عنوانًا لعجزٍ في التخطيط، وغيابٍ للمسؤولية، وتأجيلٍ مستمر للحلول التي لم يعد من المقبول تأخيرها أكثر.
