حين تصبح الدولة صانعة للإيقاع
في خضم التحولات التي تشهدها الأزمة اليمنية، يتجدد الجدل كلما برزت بوادر تهدئة أو طُرحت مبادرات سياسية جديدة: هل تمثل هذه التحركات فرصةً لاحتواء الصراع، أم تمنح الخصوم وقتًا لإعادة ترتيب صفوفهم؟ وفي المقابل، يرى آخرون أن الردع وحده هو الضامن لحماية الدولة ومنع تكرار دورات العنف. غير أن هذا الجدل، على أهميته، ينطلق من ثنائية مضللة، إذ يفترض أن التهدئة والردع خياران متعارضان، بينما يكمن التحدي الحقيقي في كيفية توظيفهما معًا ضمن رؤية استراتيجية واحدة تخدم الدولة وأهدافها.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار ليس: هل نختار التهدئة أم الردع؟ وإنما: كيف نجعل التهدئة والردع معًا أداتين لاستعادة المبادرة؟ ويُقصد باستعادة المبادرة الاستراتيجية قدرة الدولة على إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية بما يعيد صياغة خيارات خصومها، بحيث تنتقل من الاستجابة لإيقاع الصراع إلى صناعته. فالمبادرة ليست مجرد السبق في الحركة، بل امتلاك القدرة على تحديد توقيتها، وتسلسلها، وحدودها، بما يجعل الخصوم يتحركون داخل الإطار الذي ترسمه الدولة، لا العكس. وعندما تُدار التهدئة والردع ضمن هذه الرؤية، يغدو كلٌ منهما وسيلةً لتحقيق غاية واحدة، لا خيارًا يُقصي الآخر، ويصبح الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة مسارها هو المعيار الحقيقي لنجاح الدولة.
التهدئة ليست نقيضًا للردع
إذا كانت استعادة المبادرة تعني امتلاك الدولة القدرة على إعادة تشكيل بيئة الصراع، فإن التهدئة والردع لا يعودان خيارين متعارضين، بل أداتين متكاملتين في خدمة هذا الهدف. فالقيمة الاستراتيجية لأي منهما لا تُقاس بطبيعته، وإنما بقدرته على توسيع خيارات الدولة وتقليص خيارات خصومها.
فالردع الناجح ليس كثرة استخدام القوة، بل ترسيخ قناعة لدى الخصم بأن كلفة التصعيد تفوق عوائده. والتهدئة الناجحة ليست وقفًا للصراع، بل توظيفًا للوقت في إعادة بناء عناصر القوة، وتعزيز فاعلية المؤسسات، وتحسين البيئة السياسية والاقتصادية التي تستند إليها الدولة.
وفي الحالة اليمنية، تتجاوز هذه المعادلة البعد العسكري؛ إذ إن استعادة المبادرة لا تتحقق في جبهة القتال وحدها، وإنما أيضًا عبر بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وتحسين الخدمات، واستعادة الثقة العامة، وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية. لذلك، فإن تهدئة لا تتحول إلى مكاسب استراتيجية ليست سوى هدنة مؤقتة، كما أن ردعًا يفتقر إلى رؤية سياسية شاملة يبقى أثره محدودًا مهما بلغت شدته.
وعندما تُدار التهدئة والردع ضمن مشروع وطني متماسك، لا يعود أيٌّ منهما غايةً في ذاته، بل يصبحان وسيلتين لتحويل الدولة من طرفٍ يستجيب لتطورات الصراع إلى طرفٍ يحدد اتجاهه وإيقاعه.
تكامل الأدوار.. ووحدة المقصد
إن استعادة المبادرة لا تتحقق بتغليب أداة على أخرى، ولا بتعاقب الأدوار بين المؤسسات، وإنما بتكاملها ضمن استراتيجية وطنية موحدة. فالقوة العسكرية، والعمل السياسي، والدبلوماسية، والإصلاح المؤسسي، والسياسات الاقتصادية، والجهد الإعلامي ليست مسارات متوازية، بل مكونات متفاعلة في مشروع واحد يستهدف تعزيز قدرة الدولة على توجيه مسار الأحداث بدلاً من الاكتفاء بالتكيف معها.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى أي نجاح عسكري بمعزل عن أثره السياسي، ولا إلى أي اختراق سياسي بمعزل عن انعكاساته الأمنية والاقتصادية. فكل خطوة تكتسب قيمتها الحقيقية بقدر ما تعزز موقع الدولة، وتوسع خياراتها، وتحد من قدرة خصومها على فرض أجنداتهم.
ولذلك، فإن وحدة المقصد أهم من تعدد الأدوات. فحين تعمل مؤسسات الدولة وفق رؤية استراتيجية مشتركة، تتحول الجهود المتفرقة إلى قوة تراكمية، ويغدو كل إنجاز، مهما بدا محدودًا، جزءًا من مسار متصل يعزز المبادرة ويكرس قدرة الدولة على رسم إيقاع المرحلة، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة لإيقاع يفرضه الآخرون.
حين يخدم الإنساني الهدف الاستراتيجي
لا تقف الاعتبارات الإنسانية خارج الاستراتيجية الوطنية، بل قد تصبح، إذا أُحسن توقيتها وإدارتها، إحدى أكثر أدواتها فاعلية. فالمبادرة الإنسانية لا تخفف معاناة المواطنين فحسب، وإنما تعزز شرعية الدولة، وتوسع هامش حركتها، وتحرم خصومها من الذرائع التي يسعون إلى توظيفها لفرض وقائع جديدة.
وقد تجسد ذلك في معالجة ملف العالقين اليمنيين، إذ لم تقتصر المبادرة على حل قضية إنسانية ملحة، بل أسهمت أيضًا في نزع الذريعة التي كان يمكن أن تُستخدم لتبرير فتح جسر جوي مباشر بين صنعاء وطهران تحت غطاء إنساني. وبذلك انتقلت الدولة من موقع الاستجابة لمحاولة فرض أمر واقع جديد، إلى موقع المبادرة في منع تشكله أصلًا.
وهذا هو جوهر استعادة المبادرة: أن تتحول الخطوة الإنسانية، من خلال حسن تقديرها وتوظيفها، إلى مكسب استراتيجي يوسع خيارات الدولة ويضيق خيارات خصومها. فعندما يلتقي الواجب الإنساني بالمصلحة الوطنية ضمن رؤية واحدة، لا يعود الإنساني نقيضًا للاستراتيجي، بل أحد مصادر قوته وشرعيته.
استعادة المبادرة.. حين تصبح الدولة صانعة للإيقاع
تكشف التجارب الأخيرة أن نجاح الدولة لا يُقاس بقدرتها على إدارة الأزمات فحسب، بل بقدرتها على استباقها وإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها. ومن هنا، فإن التحدي الذي يواجه اليمن اليوم لا يتمثل في الاختيار بين التهدئة والردع، ولا في المفاضلة بين المسار السياسي والمسار العسكري، وإنما في توحيد مختلف أدوات الدولة ضمن رؤية استراتيجية واحدة تستعيد بها زمام المبادرة.
لقد بيّن هذا المقال أن التهدئة، والردع، والدبلوماسية، والعمل الإنساني ليست مسارات متنافسة، بل أدوات متكاملة تتفاوت في طبيعتها وتتحد في مقصدها. فقيمة كل أداة لا تُقاس بذاتها، وإنما بقدرتها على توسيع خيارات الدولة، وتقليص خيارات خصومها، ومنعهم من فرض وقائع جديدة أو استثمار الذرائع التي تمنحهم أفضلية استراتيجية.
ومن ثم، لا تتحقق استعادة المبادرة بمجرد نجاح الدولة في الرد على كل خطوة، بل بقدرتها على استباق الخطوات، وحرمان الخصم من بعض خياراته، وإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية بما يجعل استعادة الدولة، وترسيخ الشرعية، وتحقيق تسوية عادلة وفق المرجعيات الوطنية والإقليمية والأممية، هي النتيجة الأكثر ترجيحًا، سواء تحقق ذلك عبر الحلول السلمية، أو – عند تعذرها – باستخدام القوة المشروعة التي أقرها ذلك التوافق.
وهذا، في جوهره، هو التحدي الأكبر أمام اليمن في المرحلة المقبلة: أن ينتقل من دولة تُستنزف في الاستجابة لإيقاع يفرضه الآخرون، إلى دولة تمتلك القدرة على رسم ذلك الإيقاع وتوجيهه. فالدول لا تستعيد وجودها بمجرد قدرتها على إدارة الصراع، بل حين تمتلك القدرة على إعادة تشكيله بما يخدم مصالحها الوطنية ويقيد خيارات خصومها. وتلك، في جوهرها، هي استعادة المبادرة الاستراتيجية؛ وحين تبلغها الدولة، فإنها لا تصبح أكثر قدرة على إدارة أزماتها فحسب، بل تصبح أيضًا أكثر قدرة على حماية سيادتها، وترسيخ شرعيتها، وصناعة مستقبلها.
