فحين تعجز المشاريع عن تقديم نموذج ناجح في الإدارة أو الاقتصاد أو بناء المؤسسات، لا يبقى أمامها سوى الضجيج وصناعة الخصوم وتحويل حملات التشهير إلى بديل عن الإنجاز. وهنا تتحول السياسة من فن لإدارة المجتمع إلى مسرح تعبوي مفتوح يُقاس فيه النجاح بعلوّ الصوت لا بقدرة المشروع على البقاء.
من الحكمة إلى الاستعراض
السياسة لم تُولد من فائض القوة، بل من إدراك حدودها. ومنذ أن استُبدلت الغلبة بالحوار، والسلاح بالتفاوض، نشأت الدولة الحديثة باعتبارها إطارًا عقلانيًا لتنظيم المصالح ومنع الانفجار الدائم للصراعات.
لكن الشعبوية لا تصبر على تعقيد المجتمعات ولا على بطء البناء التراكمي، فتبحث عن القفز فوق الواقع بدل التفاعل معه، وعن اختصار المسافات بالشعارات بدل بناء الشروط السياسية والاجتماعية لأي مشروع قابل للحياة.
ولهذا تستبدل الإقناع بالحشد، والتدرج بالمغامرة، والعمل المؤسسي بالاستعراض، حتى تتحول السياسة إلى مشهد صاخب تُقدَّم فيه اللافتة باعتبارها مشروعًا، والهتاف باعتباره تفويضًا.
حين يصبح الذباب الإلكتروني بديلًا عن السياسة
كلما دخلت المشاريع الشعبوية مرحلة الانكشاف، تصاعد اعتمادها على حملات التخوين والتشويه. فبدل مراجعة التجربة أو الاعتراف بالأخطاء، يجري البحث عن “عدو داخلي” تُلقى عليه مسؤولية الفشل، وتُسخَّر له جيوش من الذباب الإلكتروني لإنتاج حالة دائمة من التحريض والانقسام.
وفي هذا السياق يمكن فهم الحملة التي تستهدف الفريق محمود الصبيحي، بوصفه نقيضًا كاملًا للثقافة الشعبوية الصاخبة. فهو ينتمي إلى مدرسة الدولة لا الغلبة، والمؤسسة لا الميليشيا، والواجب لا الاستعراض، والهدوء الواثق لا الصراخ التعبوي.
جندي الدولة لا جندي السلطة
في التاريخ العسكري والسياسي اليمني، احتفظ أبناء الصبيحة بموقع خاص بوصفهم من أكثر المكونات التصاقًا بفكرة الدولة والمؤسسة العسكرية النظامية، سواء في مرحلة جيش اليمن الديمقراطية أو بعد قيام الوحدة. ولم يكن حضورهم قائمًا على منطق الغلبة أو احتكار النفوذ، بل على الانتماء لفكرة الخدمة العامة والانضباط المؤسسي.
وفي هذا السياق ظل الصبيحي نموذجًا لجندي الدولة لا جندي السلطة. لم يُعرف عنه الانغماس في شبكات المصالح أو الاستثمار في الانقسامات المناطقية والشعبوية، ولذلك ظل محتفظًا باحترام قطاع واسع من اليمنيين.
وحين اختُطف خلال حرب 2015 وهو يشغل منصب وزير الدفاع، لم تكن القضية مجرد أسر مسؤول حكومي، بل لحظة دالة على انهيار احتكار الدولة المشروع للقوة، وانتقال البلاد من منطق الشرعية إلى منطق التغلب المسلح.
الشعبوية حين تأكل نفسها
التجارب الشعبوية غالبًا ما تسقط بالطريقة نفسها التي صعدت بها: بسرعة وضجيج وانفعال. فهي قادرة على تعبئة الشارع لفترة، لكنها عاجزة عن بناء نظام مستقر أو إنتاج إدارة رشيدة أو خلق اقتصاد قابل للحياة.
وما شهدته الساحة اليمنية خلال السنوات الأخيرة يكشف أن الحشد وحده لا يكفي، وأن الشعارات مهما ارتفعت لا تستطيع إخفاء التدهور المعيشي أو تعطيل أسئلة الناس حول الدولة والخدمات والاقتصاد.
وحين تتسع الهوة بين الخطاب والواقع، تتحول الشعبوية من مشروع تعبئة إلى ماكينة غضب دائمة تبحث عن خصوم جدد لتبرير الإخفاقات المتراكمة.
مشروع التصحيح… لا معركة الأشخاص
الخطأ الأكبر في قراءة المشهد الحالي هو اختزاله في صراع أشخاص أو تنافس مواقع، بينما القضية أعمق من ذلك بكثير؛ إنها صراع بين نموذجين متناقضين:
نموذج يرى السياسة إدارة مسؤولة للمجتمع والدولة ضمن حسابات الواقع والتوازنات، وآخر يختزلها في التعبئة الدائمة وإنتاج الأعداء ورفع سقوف غير قابلة للتحقق.
ومن هنا فإن الدفاع عن مشروع التصحيح لا ينبغي أن يتحول إلى صناعة شعبوية مضادة، بل إلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة وهيبة المؤسسة واحترام العقل السياسي والعمل التراكمي الهادئ.
خاتمة
في البلدان المضطربة، لا تكون المشكلة دائمًا في غياب الشعارات، بل في فائضها. ولا يكون الخطر في ضعف الخطاب التعبوي، بل في تحوله إلى بديل عن السياسة والإدارة والبناء.
ولهذا فإن حملات التشهير التي تُدار اليوم ضد شخصيات مثل الفريق محمود الصبيحي تكشف أزمة الخطاب الشعبوي أكثر مما تكشف شيئًا عن الرجل نفسه. فالسِّيَر الهادئة التي لم تُبنَ على الضجيج تبقى أكثر قدرة على الصمود من حملات التعبئة العابرة.
وفي النهاية، قد تنجح الشعبوية لبعض الوقت في إثارة الغبار، لكنها لا تستطيع أن تحصد سوى الريح، لأن الدول لا تُبنى بالهتاف، بل بالحكمة، ولا تُحمى بالاستعراض، بل بالمؤسسات.
