كيف ربحت الموانئ الأخرى المستقبل… وخسرته عدن؟
ولعل السؤال الأهم في تاريخ عدن الاقتصادي المعاصر ليس لماذا تراجع ميناؤها، بل: لماذا أخفقنا في إدراك طبيعة التحول العميق الذي شهده الاقتصاد العالمي؟ فبينما كنا نناقش الأرصفة والرافعات والغواطس الملاحية، كانت الموانئ المنافسة تعيد تعريف نفسها بوصفها مراكز لوجستية متكاملة تدير التجارة وسلاسل الإمداد، وتحول موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
لم تفقد عدن موقعها الجغرافي، ولم تتغير الممرات البحرية التي منحتها أهميتها التاريخية، لكن الخريطة الاقتصادية العالمية تغيرت من حولها، فيما ظل جزء من التفكير التنموي ينظر إلى الميناء باعتباره مرفقًا بحريًا مستقلًا لا قلبًا لمنظومة اقتصادية متكاملة.
ومن هنا، فإن قصة تراجع ميناء عدن ليست في جوهرها قصة ميناء، بل قصة فجوة بين مفهومين: النقل واللوجستيات.
عدن.. عندما كانت اللوجستيات اسمًا بلا مسمى
حين نتأمل تاريخ عدن خلال النصف الأول من القرن العشرين، نكتشف أنها لم تكن مجرد محطة بحرية للتزود بالوقود أو نقطة عبور للسفن، بل كانت تؤدي عمليًا كثيرًا من الوظائف التي تقوم عليها المراكز اللوجستية العالمية اليوم.
فقد احتضنت المدينة ميناءً عالميًا من الطراز الأول، ومحطات متقدمة لتموين السفن بالوقود والمياه والمؤن، وأحواضًا لإصلاحها وصيانتها، ومستودعات ضخمة للتخزين وإعادة الشحن، وشبكات اتصالات وكابلات دولية ربطتها بالعالم منذ وقت مبكر، ومنظومة مصرفية وتجارية راقية، فضلًا عن مطار دولي حديث ومصفاة نفط كانت يومًا من أكبر المصافي في الشرق الأوسط.
ولو استخدمنا لغة القرن الحادي والعشرين لوصف تلك المنظومة، لأمكن القول إن عدن كانت تمتلك معظم المكونات الأساسية لمركز لوجستي عالمي قبل أن يدخل هذا المصطلح أصلًا إلى القاموس الاقتصادي الحديث.
ولم تكن هذه العناصر تعمل بصورة منفصلة، بل كانت تُدار ضمن إطار مؤسسي متقدم قادته مؤسسة Aden Port Trust، التي أشرفت على شبكة مترابطة من الأنشطة والخدمات البحرية والتجارية والتموينية والفنية المرتبطة بحركة الملاحة الدولية.
وقد كان سر قوة عدن الحقيقي يكمن في قدرتها على إدارة هذه المنظومة كوحدة متكاملة.
كيف بدأ التآكل؟
لم يكن تراجع عدن نتيجة عامل واحد أو مرحلة واحدة، بل جاء حصيلة سلسلة طويلة من التحولات الاقتصادية والسياسية والإدارية التي تراكمت آثارها عبر عقود.
فبعد الاستقلال عام 1967 شهدت المدينة تحولات جذرية ارتبطت بتبني نموذج الاقتصاد الموجه والتأميمات الواسعة، ما أدى إلى انحسار تدريجي لبعض الوظائف التجارية والمالية والخدماتية.
ثم جاءت الوحدة اليمنية عام 1990 حاملة معها آمالًا واسعة باستعادة الدور الاقتصادي للمدينة، غير أن عددًا من المشاريع الاستراتيجية تعثر، وفي مقدمتها مشروع المنطقة الحرة.
أما بعد حرب 1994، فقد تعمقت الاختلالات المؤسسية والتنموية، وغاب الترابط العضوي بين الميناء والمصفاة والمنطقة الحرة والمطار والخدمات التجارية والمالية.
من الميناء إلى المنظومة
في الوقت الذي كانت فيه عدن تعاني من هذا التآكل التدريجي، كان العالم يشهد ثورة هادئة ولكنها عميقة.
فقد انتقل الاقتصاد العالمي من التركيز على نقل البضائع إلى التركيز على إدارة تدفقها. ولم تعد القيمة الاقتصادية تُقاس بعدد السفن التي ترسو في الميناء، بل بقدرته على إدارة سلاسل الإمداد وتوفير خدمات التخزين والتوزيع وإعادة التصدير وربط التجارة بالصناعة والخدمات والتكنولوجيا.
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين النقل واللوجستيات. فالنقل يعني تحريك البضائع من نقطة إلى أخرى، أما اللوجستيات فهي إدارة منظومة كاملة تشمل النقل والتخزين والتوزيع والمعلومات والطاقة والخدمات المساندة.
لماذا نجح الآخرون؟
إن صعود سنغافورة وجبل علي وروتردام لم يكن نتيجة الجغرافيا وحدها. فالجغرافيا تمنح الفرصة، لكنها لا تضمن النجاح.
لقد أدركت تلك التجارب مبكرًا أن الميناء ليس غاية في حد ذاته، بل أداة لبناء منظومة اقتصادية أوسع. ولذلك جرى ربط الموانئ بالمناطق الحرة والمجمعات الصناعية ومراكز إعادة التصدير والخدمات المالية والتأمينية والبنية الرقمية وشبكات النقل متعددة الوسائط.
أما في عدن، فلم تكن المشكلة في نقص الأصول، بل في غياب الرؤية التي تحول هذه الأصول إلى شبكة مترابطة تصنع قيمة اقتصادية مستدامة.
عدن وممرات القرن الحادي والعشرين
يشهد العالم اليوم سباقًا لإعادة رسم خرائط التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، ينبغي النظر إلى عدن باعتبارها عقدة محتملة داخل شبكة أوسع تمتد من الخليج العربي إلى البحر العربي والقرن الإفريقي والمحيط الهندي.
ومن هذا المنطلق تكتسب مشاريع الربط مع حضرموت والمهرة والبحر العربي أهمية استراتيجية متزايدة باعتبارها امتدادات طبيعية لمنظومة لوجستية أوسع.
استعادة المستقبل
إن السؤال المطروح اليوم ليس كيف نعيد ميناء عدن إلى ما كان عليه في خمسينيات أو ستينيات القرن الماضي، بل كيف نجعله جزءًا من اقتصاد القرن الحادي والعشرين.
ما فُقد لم يكن الموقع، ولا الميناء، ولا الأسواق. ما فُقد كان الرؤية التي تربط هذه العناصر في مشروع اقتصادي واحد.
ولذلك، فإن استعادة مكانة عدن ليست مشروع أرصفة جديدة فحسب، بل مشروع تفكير جديد: انتقال من عقلية النقل إلى عقلية اللوجستيات، ومن التفكير في الميناء إلى التفكير في المنظومة، ومن إدارة الأصول إلى صناعة القيمة.
وربما لهذا السبب ربحت الموانئ الأخرى المستقبل، بينما خسرته عدن. غير أن المستقبل ما يزال قابلًا للاستعادة إذا أحسنّا قراءة دروسه وامتلكنا الشجاعة لبناء منظومة لوجستية حديثة تليق بعدن.
