وفي ذات الصدد، أورد المناضل أحمد حسين المروني شهادةً كشفت جانبًا من تلك التفاعلات. فبحسب روايته، شارك مع القاضي عبدالرحمن الإرياني في إعداد خطاب البيعة الذي ألقاه البدر بمناسبة اعتلائه العرش، متضمنًا حزمة من الوعود الإصلاحية، شملت تطوير المؤسسة العسكرية، وتنظيم جباية الموارد العامة، وإطلاق الرهائن، والحد من تعقيدات التقاضي في المحاكم الشرعية، فضلًا عن الاستعانة بخبرات عربية للمساهمة في إعادة تنظيم أجهزة الدولة. وقد أُذيع الخطاب عبر إذاعة صنعاء، الأمر الذي أثار دهشة الضباط الأحرار، إذ بدا لهم أنَّه عكس استعدادًا لإجراء إصلاحات جوهرية لم يكن متوقعًا من رأس النظام الإمامي، وهو ما دفع بعضهم إلى التريث ومراقبة مدى جدية تلك التعهدات قبل الإقدام على أي تحرك حاسم.
غير أنَّ هذه التوقعات، بحسب رواية المروني، لم تدم طويلًا؛ إذ ألقى البدر خطابًا آخر في الجامع الكبير عقب صلاة الجمعة، تراجع فيه عمليًا عن مضامين خطابه الأول، واتخذ موقفًا تصعيديًا تجاه الضباط الأحرار، متوعدًا إياهم بأشد العقوبات. وقد شكل هذا التحول، في نظر العديد من العناصر الثورية، مؤشرًا واضحًا على محدودية فرص الإصلاح من داخل البنية الإمامية، وعزز القناعة بأنَّ الوعود المعلنة لم تكن سوى محاولة لامتصاص حالة الاحتقان القائمة، وأسهمت هذه التطورات في تسريع حسم خيار التغيير الجذري.
تلقب الإمام الجديد بـ(المنصور بالله)، بوصية من والده المتوفى، وتيمنًا بجده المنصور محمد بن يحيى حميد الدين (ت: 4 يونيو 1904م). كما سعى خلال اللحظات الأولى لتوليه الحكم إلى تحسين علاقته بأمراء أسرته الذين نَاصبوه خلال السنوات الماضية العداء، وبالأخص مُنافسه الأبرز عمه الأمير الحسن، وراسل الأخير طَالبًا عَودته من نيويورك، مُقترحًا عليه أنْ يكون نَائبه الوحيد، مُشددًا على ضُرورة تعاونهم، قَبل أنْ يُطيح الشعب بحكمهم، دَاعيًا إلى إعادة إحياء التراث الذي يُقدس سُلالتهم في نفوس اليمنيين، مُضيفًا في رسالته تلك: «وقد تدهورت الأخلاق العامة، وضعفت المُعتقدات، سيما حب الآل، ولم يبق منه إلا شيء في الشمال، وهذا أهم وأخطر ما في الأمر»!
شكل الإعلان الإذاعي الأول عن مَصرع الإمام محمد البدر بصوت المذيع عبد الله حمود حمران صدمة رمزية أدت إلى تقويض المُرتكزات المعنوية لبيت الحكم الإمامي وشرعنة التعبئة الشعبية؛ إلا أنَّ هذا التفوق الإعلامي اصطدم ببروز سردية بديلة تبنتها وكالات أنباء وإذاعات دولية، استنادًا إلى شهادة الجنرال الأمريكي بروس كندي. أحدثت تصريحات الأخير خللًا جوهريًا في يقينية السردية الثورية؛ مما منح الإماميين فرصة لإعادة التموضع السياسي والميداني. وكان هذا الجنرال أثناء قيام الثورة في صنعاء، وغادرها جَوًا عبر إحدى الطائرات التي غيرت في 3 أكتوبر 1962م مَسارها فجأة من تعز إلى عدن، وفي مطار الأخيرة قال الحقيقة الصادمة.
وتمثلت تلك الحقيقة في أنَّ الإمام المخلوع نجا من الموت بأعجوبة، وتمكن بعد مُرور عشر ساعات من بدء الهجوم على قَصره، من الهروب مُتسللًا إلى عددٍ من المنازل المُجاورة، بعد أنْ أخلى ذلك القصر من أهله وأولاده، الذين مكثوا في صنعاء بعد مغادرته، وهو الهروب الذي منح المعسكر الإمامي فرصة إعادة التشكل. ووفق روايته، قامت إحدى نساء المدينة بإيوائه وإمداده بملابس أحد العكفة للتنكر، وما أنْ حلَّ الظلام حتى خرج من العاصمة مُتنكرًا بملابس غير مَلابسه.
وعلى ذكر أسرته، فقد أُخضعت، إلى جانب 69 أسرة من عوائل آل حميد الدين المقيمة في صنعاء، لإجراءات احتجاز منظم شملت النساء والأطفال، حيث جرى تجميعهم في دار بستان الخير، وقد وصل عددهم إجمالًا إلى نحو 130 شخصًا. واتُّخذت إجراءات مماثلة في تعز، مع اختلاف جوهري تمثل في ترحيل العوائل هناك إلى القاهرة بموافقتهم. وبعد عام سُمِح بتعليم الأطفال داخل مقر الاحتجاز عبر معلم خُصص لذلك. وقد اضطلع الأخير بدور مزدوج، حيث تحول إلى قناة اتصال سرية بين المحتجزين وذويهم في الخارج، ناقلًا الرسائل في الاتجاهين.
وفي أواخر عام 1965م، شهدت قضية الأسرى الإماميين تطورًا ملحوظًا، تمثل في الإفراج عن 30 أسيرًا كانوا محتجزين في قصر غمدان، وذلك في إطار عملية تبادل جرت بوساطة اللجنة الدولية للصليب الأحمر. ومن بين المفرج عنهم: محمد بن القاسم، وعلي بن علي، وعلي بن إبراهيم، ومحمد بن عبدالقدوس. ليقوم بعد ذلك مندوب الصليب الأحمر بزيارة الأسر المحتجزة في دار بستان الخير للتحقق من أوضاعهم. أعقب ذلك الإفراج عن تقية بنت الإمام يحيى وخمس من بناتها، قبل أنْ يتم لاحقًا ترحيل بقية الأسر إلى السعودية. والجزئية الأخيرة لم تتناولها تلك الأميرة في مذكراتها، على الرغم من أهميتها في استكمال صورة مسار الاحتجاز والإفراج.
