2 - والتكيف يعني أن المجتمع يعيد بناء حياته بما يتفق مع معطيات ومخرجات هذا الواقع بما في ذلك الظلم، الفساد، الجهل، العنصرية، الفقر، المحسوبية، التفاوت الاجتماعي في الثراء والفقر، وغيرها من مظاهر التخلف التي تفتك بالمجتمعات.
3 - يحدث هذا كثيرًا عندما تفشل الثورات وحركات التغيير السياسي والاجتماعي في تحقيق أيٍّ من أهدافها، ويفقد المجتمع ثقته في النخب السياسية والاجتماعية، ويعيش المثقف حالة من العزلة بعد أن يفقد صلته بالمجتمع وتتسع الهوة بينهما.
4 - المجتمعات التي تتكيف مع الواقع على هذا النحو تصبح سهلة الانقياد لمن يتربع على كرسي الحكم. وهي تطيع الحاكم أيًا كانت توجهاته، وأيًا كان منهجه في الحكم.
المهم هو أن يكون الحاكم قويًا بما فيه الكفاية:
أ- إما لتغيير المجتمع، وهو بهذا يسلك طريق المغامرة حينما يصبح التغيير همًا مرتبطًا بالحالة الوجدانية للحاكم دون توفير الشروط المعروفة للتغيير، وأهمها الحريات والتعدد السياسي والتنوع وخلق الآليات القانونية والسياسية والثقافية لها.
ب- أو لحماية ورعاية التكيف الذي يغدو ظاهرة ثقافية وسلوكية ملازمة للمجتمع، وتصبح الطاعة أهم منتجاتها. ويتولى الحاكم هنا نشر ثقافة الطاعة على نطاق واسع وبصورة لا تسمح بتحريك حوافز التفاعلات الاجتماعية المقاومة لهذه الثقافة.
5 - منذ زمن بعيد والمجتمع اليمني يُعَدُّ للتكيف مع واقع استعصى تغييره. كل أنظمة الحكم التي تعاقبت على اليمن سعت إلى إجبار المجتمع على التكيف مع منهجها في الحكم. والحالات التي استطاعت فيها شرائح من المجتمع أن تعبر عن رفضها للواقع قُمعت وسَكَنت، أو أنها قُمعت وأجبرت على اللجوء إلى العنف.
6 - مع المدى استبدل القمع بالمراوغة بمشروع شبه ديمقراطي استفاد منه الحاكم أكثر من المجتمع، بإكسابه مشروعية قمع الخصم بأدوات “سياسية” وبقفازات حريرية. ومعها تكيف المجتمع مع هذا النوع من القمع، وراح يتمرغ فيه ويمارس ما اعتبره حقًا ديمقراطيًا في اختيار الحاكم، بينما لم يكن في الحقيقة سوى أحد مشغولات منهج إعداد المجتمع للتكيف الذي أخذ يفْصِل المجتمع عن التمسك بحقوقه السياسية والقانونية عبر إنهاكه بمعضلات الحياة ومتطلباتها اليومية، وشحنه بثقافة الطاعة، وفصله تدريجيًا عن نخبه السياسية والاجتماعية والثقافية التي أخذت تعترك فيما بينها، فيما يعكس الصراع على البقاء أكثر مما يُعتقد أنها معارك لإنقاذ المجتمع من التكيف مع الواقع.
7 - ومما يستدل به على صحة ذلك، هو أن هذه المعارك كانت غالبًا ما تنتهي بتوزيع مناصب الدولة ومصادر الثروة بين هذه النخب، في مشهد يعكس حجم الفجوة مع المجتمع.
8 - ما يشهده المجتمع اليمني اليوم هو تكيُّفٌ مع واقع تؤكد كل المؤشرات على أنه يسير باليمن إلى نهايات مجهولة. وفي حين يعمل الحوثي على قمع المجتمع وضبط هذا التكيف في مناطق سيطرته بقوة السلاح والترهيب وتكريس مفاهيمه الكهنوتية في الحكم والسيطرة، فإن المجتمع الذي تسيطر عليه الشرعية يتمتع بقدرٍ من الحريات، لكن آليات هذا القدر من الحريات أخذت تنتج حالة من التفكك السياسي والاجتماعي، بسبب أن هذه الآليات مبرمجة على إنتاج التفكك، لأسباب مرتبطة بطبيعة القوى المتصدرة للمشهد السياسي وبنيتها الفكرية والأيديولوجية التي لم تستطع التحول إلى مشروع سياسي حتى اليوم.
9 - كل هذا ناهيك عن عوامل تاريخية وجيو-سياسية يعاد إنتاجها في قلب المشهد في مناطق سيطرة الشرعية، وهي عوامل لن تتوقف إذا استمر دعمها على هذا النحو، إلا بتفكيك الجغرافيا السياسية لمناطق الشرعية دون أي مقاومة اجتماعية. بل إن كل ما يمكن ملاحظته بوضوح هو الانخراط في هذا الحراك الاجتماعي والسياسي التفكيكي، والذي سيفضي بالنتيجة إلى واقع يستقطب المجتمع، والتكيف مع الواقع الذي يتمخض عنه، على نحو يصعب معه التحضير لمعركة الخلاص.
