دولة رشيدة... دولة رديئة
يعرّف فوكوياما نظام الزبائنية بأنه ذلك “النظام السياسي والإداري الذي تقوم فيه الدولة على تبادل المصالح الشخصية والولاء بدلاً من الكفاءة وسيادة القانون؛ حيث يقوم الحكام أو النخب بتوزيع المناصب العامة والموارد بين أتباعهم لكسب ولائهم، مما يؤدي إلى إضعاف مؤسسات الدولة”.
يستند المفكر الأمريكي على سياق تاريخي ومقارنات معتبرة لتجربة الكثير من الدول أهمها مثلا بروسيا والصين، وإيطاليا واليونان، واليابان وفرنسا، والولايات المتحدة وبريطانيا.
ووفقا لفوكوياما، فإن المجتمعات الحديثة كلها قد بدأت “بالدول الميراثية القائمة على المحسوبية والمحاباة كما دعاها فيبر، أي الحكومات التي حشدت بأصدقاء الحاكم وأفراد عائلته، أو النخب التي هيمنت على المجتمع. قيدت هذه الدول إمكانية الوصول إلى السلطة السياسية والفرصة الاقتصادية ضمن حلقة أفراد يحابيهم الحاكم ويفضلهم” على بقية المجتمع. وهكذا لم تتطور الحكومة الحديثة - كهيئة بيروقراطية تماما ولا شخصانية - إلا بعد وقت طويل وأكثرها فشلت في التطور.
يخلص فوكوياما إلى أن ألمانيا طورت جوهر دولة حديثة في العقود المبكرة من القرن التاسع عشر. كما أوجدت اليابان بيروقراطية حديثة من الصفر في عصر الاستعادة الميجية. بينما لم تطور إيطاليا أو اليونان دولا حديثة أو قوية، بل استمرت الممارسات الزبائنية إلى اليوم. ومثلت كل من بريطانيا وأمريكا سبيلا وسطا، فوجدت فيهما بيروقراطية متخمة بالمحسوبية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، أو زبائنية كاملة النضج كما في الولايات المتحدة. أصلحت بريطانيا وضعها بعد تقرير نورثكوت تريفليان في خمسينيات القرن، وعملت الولايات المتحدة ذلك تدريجيا وتراكميا منذ ثمانينيات القرن 19 حتى ثلاثينيات القرن 20.
من الممكن أن يكون لدى الدول الميراثية مستوى عالٍ من الاستقرار كما يقول فوكوياما - بسبب أن بنيتها الأساسية قائمة على النزعة البيولوجية من الألفة والارتباط بين الناس ومحاباة “الأقرباء والأصدقاء الذين يتبادلون معهم الحظوة والمكاسب والخدمات، وتبني النخبة سلطتها عبر إدارة سلاسل المحسوبية التي يتبع بها العملاء رعاتهم سعياً وراء المكافآت الفردية”. وذلك يتعزز بـ” بالطقوس الشعائرية، والدين، والأفكار المشرعنة لشكل معين من حكم النخبة”. ويؤدي التنامي العددي للمجتمع إلى تحول شبكات المحسوبية الرسمية إلى تراتبيات زبائنية رسمية منظمة.
كيف يمكن الوصول إلى حكومة حديثة؟؟
يرى فوكوياما سبيلين نحو تلك الحكومة: أولهما التنافس العسكري. فعندما انخرطت الصين واليابان وبروسيا في صراع طويل مع الجيران، اهتمت جميعها بالتنظيم الحكومي حفاظا على البلاد. فالتنافس العسكري من شأنه خلق وإيجاد ضرورات أقوى من الحوافز الاقتصادية، “لا شيء يهم، على الرغم من كل شيء، إذا كنت سأتعرض مع أسرتي بأكملها لخطر القتل عند نهاية الحرب”. وكان دور الحرب بالغ الأهمية في بناء الدولة وإعادة ترسيم الحدود شبيه بدور بناء الأمة وترسيخ الهوية الذي قاد نحو إعادة ترسيم الحدود.
في القرن الثالث ق.م ابتكر الصينيون “معايير الجدارة والأهلية وامتحان القبول في الخدمة المدنية”، تلك المعايير لم تجد طريقها إلى أوروبا إلا في القرن التاسع عشر. كما كان لضغط التنافس العسكري أثره على بروسيا فدفعها لتطبيق “مبادئ البيروقراطية الحديثة” المستقلة ذاتيا التي بقيت حتى الوقت الحاضر، كما أجبرتها هزيمتها أمام نابليون عام 1806 على فتح أبواب البيروقراطية أمام الطبقات الوسطى.
الإصلاح السياسي السلمي هو السبيل الثاني الذي نمر عبره إلى الدولة الحديثة، عبر بناء تحالف للفئات الاجتماعية التي يهمها وجود دولة تتمتع بالكفاءة والنزاهة. وهكذا، فإن عملية التحديث الاجتماعية والاقتصادية الكامنة في أساس بناء هذا التحالف، كثيرا ما تحفز “النمو الاقتصادي التحشيد الاجتماعي” عبر توسيع تقسيم العمل. كما يقود “التحديث إلى التمدين وإلى مطالب بمستويات مرتفعة من التعليم، والتخصص المهني، وجملة أخرى من التغييرات التي تنتج عددا من اللاعبين الاجتماعيين الجدد غير الحاضرين في المجتمع الزراعي”.
إن الشعوذات الكثيرة التي تهيمن منذ فترة طويلة لم تمنح أيا من الساسة النزعة الأخلاقية القوية التي تستلهم حركة الجماهير للمطالبة بالتغيير. ربما هذه ليست مصيبتنا وحدنا، لكننا الوحيدون الذين لا نزال ملازمين لنفس الخيبة.
يتبع...
