لكن قراءة التاريخ تكشف حقيقة مختلفة تماماً؛ فالكثير من الدول التي تُصنف اليوم ضمن القوى الكبرى مرت في مراحل سابقة بأوضاع ربما بدت في زمانها أكثر قتامة مما تعيشه دول عديدة اليوم.
تُعد الصين أحد أبرز الأمثلة على ذلك. فمنذ منتصف القرن التاسع عشر دخلت البلاد مرحلة عُرفت في الأدبيات التاريخية الصينية باسم “قرن الإذلال”، بدأت مع حروب الأفيون التي انتهت بتدخلات واحتلالات أجنبية وفرض امتيازات قسرية على الدولة الصينية. وخلال العقود التالية تعرضت الصين لسلسلة من الهزائم العسكرية والاضطرابات الداخلية والاحتلالات الأجنبية، وصولاً إلى الغزو الياباني الذي شهد واحدة من أكثر الفصول دموية في تاريخ شرق آسيا.
ولم تنتهِ معاناة الصين بانتهاء الحرب العالمية الثانية، إذ أعقب ذلك تجدد الحرب الأهلية بين القوميين والشيوعيين، ثم جاءت المجاعة الكبرى في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات لتضيف فصلاً آخر من المآسي الإنسانية.
ومع ذلك، فإن الدولة التي خرجت من تلك العقود المضطربة أصبحت اليوم قوة نووية وعضواً دائماً في مجلس الأمن وثاني أكبر اقتصاد في العالم وأحد أبرز الفاعلين في النظام الدولي، وقد لعبت الإصلاحات التي أطلقها “دينغ شياو بينغ” دوراً محورياً في هذا التحول، إذ أنتجت نموذجاً هجيناً جمع بين القيادة السياسية الشيوعية وآليات اقتصاد السوق، وهو النموذج الذي عُرف لاحقاً باسم “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية”.
والصين ليست استثناءً في هذا السياق، فالتاريخ الحديث يقدم نماذج عديدة لدول مرت بمراحل متعاقبة من النقيض إلى النقيض قبل أن تنتهي إلى صيغ أكثر توازناً.
ففي روسيا انتقلت البلاد من الملكية القيصرية إلى الشيوعية السوفييتية، ثم إلى نموذج سياسي جديد يختلف عن المرحلتين السابقتين ويستعير بعض عناصرهما في الوقت نفسه.
وكذلك تركيا التي انتقلت من السلطنة العثمانية إلى الجمهورية الكمالية، قبل أن تشهد تحولات أعادت دمج جزء من إرثها التاريخي والديني ضمن إطار الدولة الوطنية الحديثة.
يمكن النظر إلى هذه التجارب من خلال قراءة مبسطة لفكرة الجدل عند الفيلسوف الألماني جورج هيغل.
وتقوم الجدلية على وجود أطروحة (Thesis) تفرض نفسها في مرحلة معينة، ثم تظهر نقيضتها (Antithesis) التي تعارضها وتكشف حدودها، قبل أن يفضي التفاعل بينهما إلى صيغة ثالثة (Synthesis) أكثر توازناً تستوعب بعض عناصر الطرفين وتتجاوز أوجه القصور فيهما، فتؤسس لمرحلة جديدة مستقرة، وتظل هذه الحركة الجدلية مستمرة كلما ظهرت تحديات ومتغيرات جديدة مع مرور الزمن.
وهذا ما نراه عند قراءة التاريخ، أن الأفكار والأنظمة لا تبقى ثابتة إلى الأبد، بل تواجه تحديات واعتراضات تولد بدائل جديدة، ثم ينشأ مع الزمن شكل أكثر قدرة على التكيف يجمع بعض عناصر المراحل السابقة ويتجاوز جوانب القصور فيها.
ويظهر هذا المنطق بوضوح حتى في التفاصيل اليومية لإدارة الدول، فالتعديلات القانونية والإدارية المتعاقبة ليست سوى انعكاس لعملية مستمرة من المراجعة والتصحيح، إذ يفرض الواقع تحديات جديدة تكشف جوانب القصور في الأنظمة القائمة، فتظهر حلول أو أفكار بديلة، لينتهي الأمر غالباً إلى صيغ أكثر ملاءمة من سابقاتها؛ وعلى هذا النحو تتطور المؤسسات والدول بصورة تدريجية عبر الزمن.
أهم ما يمكن استخلاصه من هذه التجارب أن قوة الأمم لا تُقاس بحجم ما تعرضت له من هزائم أو نكبات، بل بقدرتها على التعلم منها وتحويلها إلى خبرة تاريخية تدفعها نحو إعادة البناء.
فالنهوض ليس معجزة، كما أن التراجع ليس قدراً دائماً؛ وبين الاثنين توجد عوامل كثيرة، أبرزها الوعي بالتجربة، والقدرة على مراجعة الأخطاء، ووجود إرادة جماعية تعي أن النهوض لا يكون بالعودة إلى الماضي كما كان، ولا بقطيعة كاملة معه، وإنما ببناء صيغة جديدة تستوعب منجزاته وتتجاوز إخفاقاته وأجزاءه التي لا تنسجم مع الحاضر، لتؤسس واقعاً جديداً مستقراً ومزدهراً.
وفي بلادنا يمكن النظر إلى فكرة الدولة الاتحادية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني - بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول تفاصيلها - بوصفها، في جوهرها، أول محاولة سياسية جادة لإنتاج صيغة جديدة تتجاوز الاستقطاب التقليدي بين نموذج الدولة المركزية الواحدة ونموذج الدولتين.
فقد سعت، نظرياً على الأقل، إلى تقديم حل توفيقي يستوعب بعض مبررات كل طرف بدلاً من الانحياز الكامل لأي منهما.
يمكن الإقرار بأن مؤتمر الحوار الوطني، بصيغته التي عُرف بها، أصبح جزءاً من الماضي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة التخلي عن الفكرة الجوهرية التي قام عليها.
فجوهر المشروع كان البحث عن صيغة توافقية تتجاوز الانقسامات التقليدية وتؤسس لواقع سياسي جديد.
وبرأيي، فإن الحاجة إلى هذا الجوهر ما تزال قائمة اليوم، بل ربما أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، من أجل إنهاء الأزمة الراهنة، وخلق واقع أكثر استقراراً، يضمن مستقبلاً أفضل للجيل الحالي والأجيال اللاحقة.
