كنا تلاميذ في مدرسة جمال عبد الناصر بكريتر، وفي مطلع السبعينيات أخذتنا معها تلك المسيرات الضخمة الفرحة. لا نعرف لها معنى أو لماذا كانت تجوب الشوارع شاحنات كبيرة وهي تحمل أناسا بسحنات غريبة علينا لم نكن نألفها، كانت تهتف بشعارات كبيرة، الكثرة منهم لا يعلمون مغزاها، ربما الله وحده وكتابها فقط من يعلم. بعضنا كان يهرول خلف الشاحنات ليعتليها دون جدوى. بالقياس إلى أحجامنا، لم يكن بمقدورنا بلوغ أسطحها، وكنا نعتقد أننا لن نبلغها ذات يوم... ولم نبلغها بالفعل.
كان معلمنا محمد محمود، الشاب الأسمر المعتدل طولا وبنية، من أكثر معلمينا حماسا وتفاؤلا بأن المدينة (عدن) ستغدو جنة الله في أرضه، أليس هناك (جنة عدن؟). كان يعتقد أن عدن الجديدة القادمة ستكون في قطيعة تامة مع عدن المستعمرة، ستكون أم المدائن. كان محمد هذا ربما كثير من معلمينا لا يزالون يتذكرونه تماما، وزملائي أيضا لابد أنهم يتذكرون ذلك اليوم من مايو عندما أخذ يكتب لنا على اللوحة في الفصل ويردد علينا ويحفظنا نشيدا أو زاملا، لا أعرف، المهم كنا نردد بعده ونجتهد في الكتابة، يقول مطلع النشيد:
(يا مايو يا عيد العمال يا صرخة في كل مكان وحدتنا سوف تتحقق من عدن إلى جيزان).
معلمنا هذا على استعداد دائم للبقاء معنا داخل المدرسة لممارسة كل الأنشطة، كان همه الأكبر أن يغرس فينا قيمة الانتماء، وليس الانتماء وحده بل والمشاركة في أن نكون ورودا في باقة المستقبل الزاهر، الذي ينتظر مدينتنا الحبيبة.
مر بعض الوقت، فجأة اختفى معلمنا المتحمس ذاك. لم نعد نسمع عنه شيئا، حتى أننا لم نجد من نسأله، لم نكن نعلم مكان سكنه بسبب طبيعة سننا حينها. ربما انتابنا الخوف من سؤال معلمينا الآخرين عنه. انتظرنا المستقبل الذي كلمنا عنه أستاذنا محمد. كثير منا ظن أنه فقد الاعتقاد بالأمل الذي حاول زرعه فينا، ربما هاجر بحثا عن وطن لا يقدس الشعارات. كثر هم معلمونا الذين اختفوا من حياتنا بعد ذلك. كنا نتصور أن المسافة بين المستقبل وبيننا هي مجرد أيام وسرعان ما سنرى تلك الباقة المزهرة. لكن أخذ الأمل يخبو ثم يتبدد، وأخذت المدينة تفرغ من كل الملامح وحتى من أهاليها. أسرة كاملة من عمارتنا رحلت إلى الدولة التي كانت تحتل عدن، وأسر أخرى لحقت بها في نفس الأيام. كثر هاجروا إلى منافٍ اختيارية في محيطنا وما بعد محيطنا، وحل قوم آخرون في المدينة، لكن قلة اندمجوا في نسيج المدينة وحافظ كثيرون على انتمائهم لقراهم وعصبياتهم. رفعنا شعار إزالة الفوارق بين المدينة والريف. قال الرئيس علي ناصر إن القادمين الجدد حلوا في أحياء عدن مع مواشيهم. يبدو أن تلك هي الطريقة المثلى لإزالة الفوارق!!!
مايو شهر متقلب المزاج. لا نعرف لماذا أراد ضباط الجيش التورط في السياسة. سالم باجميل قال قولا حول حركة 14 مايو 68، وآخرون قالوا أقوالا فيها. كنا تلاميذ مجرد متلق لما يتعلمه من معلمين كثر. لما تفسر لنا كثير من المصطلحات والمسميات ولماذا استخدمت، كل ما تعلمنا (أنهما فريقان: طيب وشرير)، أخذنا الأمور كمسلمات. هنا تفسير منطقي لماذا تستقطب الجماعات والتكوينات المختلفة في أوساط المراهقين وما دونهم بصورة أكبر من غيرهم؟ بدأت لعبة الدوران حول الكراسي وظهر رابح واحد، لكن لم أفهم لماذا يظل الرابح في الدوران؟
مرة أخرى يخدع شهر مايو عدن 1990، ويعود نزيفها بعد حين من ذلك بقليل. كما لو كنا عدنا للبداية. الفاتحون قالوا إن عدن أصبح حالها أفضل. لقد نظروا لما حققوه لأنفسهم فرؤوه جميلا، ولم ينظروا إلى اللوحة بتمامها، الانسان والجبل والساحل والرمال والحجار. ربما يستطيع مشروع باشراحيل جمع الحصى المتناثر في كيان واحد.
