السياسة العِرقية قد تبدو لبعضهم أداة تعبئة أو وسيلة لحشد الأنصار وصناعة الاصطفاف، لكنها في حقيقتها مدخل خطير لهدم فكرة الدولة. فهي لا تبني فضاءً وطنيًا جامعًا، بل تعيد إنتاج المجتمع على هيئة جماعات متقابلة، لكل منها سرديتها الخاصة، ومظلوميتها الخاصة، وحقها المزعوم في احتكار المجال العام.
وحين يصبح الأصل أو الهوية أو الانتماء الضيق معيارًا للولاء أو الاستحقاق، فإن مبدأ المواطنة يتآكل تدريجيًا، وتفقد الدولة معناها الأخلاقي والسياسي، لأنها لم تعد إطارًا جامعًا للناس، بل أداة لإدارة التوازنات بين الهويات المتصارعة.
الأخطر من ذلك أن هذا المسار لا يظل محصورًا في اللغة والخطاب، بل يتحول مع الوقت إلى بنية ذهنية وسياسية تنتج الإقصاء، وتمنح الشرعية للتمييز، وتفتح الباب أمام عنصرية مقنّعة أو معلنة، حتى لو بدأت تحت لافتات الإنصاف أو استعادة الحقوق.
ولهذا، فإن الحذر من هذا النوع من المشاريع ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية. فالدول لا تُبنى على الفرز، ولا تستقر بالتصنيف، ولا تُدار بمنطق الجماعات المغلقة، بل تقوم على المواطنة، والعدالة، وسيادة القانون، والاعتراف بالتنوع داخل إطار وطني جامع.
أما حين يتحول الانتماء إلى أداة حكم، فإن الوطن نفسه يفقد معناه، وتتحول الدولة من كيان جامع إلى ساحة صراع مؤجل.
