لكن في وطننا الغالي، تتوالى الأحاديث عن إنجازاتٍ لا تُرى نتائجها، ولا يلمسها المواطن في يومه، فتضيع بين التصريحات والعناوين.
بعيدًا عن الجدل، يمكن القول إننا نعيش حالة التباسٍ مستمرة بين الإنجاز والفشل؛ فالكثير من الجهود تُبذل بإخلاص، لكنها لا تثمر نتائج حقيقية، وكأنها تدور في حلقة مفرغة.
في قطاع الكهرباء مثلًا، تُبذل جهود كبيرة من قبل المهندسين والفنيين والإداريين لضمان استمرار الخدمة وسط ظروفٍ قاسية. ولا شك أن تلك الجهود تستحق التقدير، غير أن المحصلة النهائية ساعتا تشغيل في اليوم الواحد وفي أحسن الأحوال اربع ساعات ، تجعلنا نتساءل: أين الإنجاز الحقيقي؟ وهل يكفي الجهد إن غاب الأثر؟
وفي المياه، نسمع عن مشاريع تطويرٍ وتجديدٍ للشبكات، ومعالجاتٍ للفاقد وتحسينٍ للإنتاج. لكن الواقع يقول إن إنتاج المياه لا يتجاوز 120 ألف متر مكعب يوميًا لمدينةٍ تحتاج إلى أكثر من 300 ألف. وفاقدٌ يتخطى 40 %، ومعاناةٌ يومية للمواطن الذي يضطر لشراء مياه الشرب بأسعارٍ مرهقة. فكيف يمكن أن نمنح هذا الواقع عنوان “الإنجاز”؟
أما العملة الوطنية، فقد تراجعت قيمتها حتى لامست 3000 ريال للدولار الواحد، فاشتعلت الأسعار وغزا الفقر كل بيت. ومع نجاح الحكومة والبنك المركزي في خفض سعر الصرف إلى نحو 1650 ريالًا، سُمّي ذلك إنجازًا اقتصاديًا. لكن المواطن لم يشعر بتغييرٍ في واقعه المعيشي، فالأسعار ما زالت مرتفعة، والدخل لا يكفي، والفقر ما زال سيد الموقف. الإنجاز هنا بقي رقمًا في نشرات الأخبار، لا واقعًا في حياة الناس.
وفي التعليم، احتُفي برفع الإضراب وعودة الدراسة باعتبارهما إنجازًا وطنيًا. لكن الميدان لا يزال يعاني غياب الكتاب المدرسي، ونقص المعلمين، والاعتماد على المتطوعين، فضلًا عن الاكتظاظ الكبير في الفصول. فهل استؤنفت العملية التعليمية فعلًا، أم استؤنفت مظاهرها فقط؟
ولا يختلف حال خدمة الاتصالات كثيرًا؛ فرغم المليارات التي تُدفع سنويًا، ما تزال الخدمة ضعيفة ومتقطعة، الإنترنت بطيء، والمكالمات تتعثر، والمواطن يدفع أكثر مما يتلقى. الإنجاز المعلن في هذا القطاع لا يجد طريقه إلى جيب المستهلك ولا إلى هاتفه.
أما الصرف الصحي، فعنوانٌ آخر للمعاناة. مشاريع تُعلن، ومناقصات تُبرم، وبياناتٌ تزفّ أخبار “التحسين”، لكن الشوارع ما زالت تغرق بالمياه العادمة، والروائح الكريهة تعبق في الأحياء، والمياه الملوثة تختلط بمياه الشرب في بعض المناطق. فأين يكمن الإنجاز حين لا يلمسه أحد؟
هكذا تتكرر المفارقة: جهودٌ تُبذل، وأموالٌ تُنفق، وإنجازاتٌ تُعلن، لكن المواطن لا يرى من كل ذلك سوى عناوين لا تعني شيئًا في واقعه اليومي.
لذلك، لعل الأنسب أن نترك هذا المقال بلا عنوان، تمامًا كما تُترك إنجازاتنا دون أثر. فكل قارئٍ حرّ في أن يمنحه الاسم الذي يراه مناسبًا: إنجازًا، أم إخفاقًا، أم شيئًا بينهما لا يُسمّى.
