
وكنا حين هبوطنا تقاسيم الجبل نكثر من ممارسة الشقاوة والمزاح البريء، كما فعلنا ذلك بصعوبة أثناء الصعود، لكننا حينها لا ننسى اقتلاع ما نقدر على اقتلاعه من اللٌوبيص. واللوبيص هو نبات لمن لا يعرفه، ينمو في جبل شمسان ويتميز بأنه يلصق بسهولة في الجسم والملابس ويسبب الحكة المؤقتة، بينما الذاكرة الشعبية تقول انه مفيد في علاج بعض الأمراض، يقال منها الخاشي والكتيعة والحصبة..... والله أعلم.
ليس الطلاب وحدهم من كان يمارس طقوس المطر تلك. فقد كنا نصادف في تجوالنا الكثير من العمال والموظفين الذين زوغوا من أعمالهم أو الذين تصرفوا بطريقة أخرى إما أخذوا إجازة طارئة أو قطعوا (سيك ربوط). المهم الجميع يتصرف كي لا يفقد متعة المطر... كيف لا وهو يعدل المزاج النفسي والحسي والجمالي، ويمثل في ظروف المناطق الحارة مهدئا جبارا للأعصاب المشدودة والمتوترة والنفوس (المتنرفزة)، حينها ترى الناس كأنهم ملائكة يسيرون على الأرض.
مشكلتنا في عدن تكمن في أن الأمطار الغزيرة سرعان ما تتحول من نعمة إلى كارثة صرفة تقلب الحياة رأسا على عقب. عن نفسي، فقد شاهدتُ هذه الحالة ربما ثلاث مرات، إحداها كانت في زمن ما من طفولتي، وثانيها كانت في عام 1993، وكنت متخرجا حديثا وكان العفش لا يزال في ميناء عدن. المهم أنني فقدت جزءا كبيرا من ذلك العفش، وجزء منه صار متنزها للأرضة. ثالثة هذه الحالات هي التي نشاهدها اليوم.
بصراحة هذه الحالات على تباعدها نسفت الرواية الرسمية التي تعلمناها في المدارس عن الغرض الحقيقي لإنشاء صهاريج عدن، والقائلة بأن العبقرية الإنسانية وبسبب ندرة المياه في عدن القديمة تفتقت عن إنشاء هذه الصهاريج الضخمة والمتعددة لحفظ مياه المطار لاستخدامات السكان في الاحتياجات اليومية لحياتهم.
كيف دُحضت هذه الرواية؟
ببساطة لقد كان سكان عدن في تلك الحقبة ليسوا بالكثرة التي تستنزف كل موارد المياه. ونحن اليوم نستطيع أن نعدد الآبار الموجودة في عدن بذلك الزمن، والتي تنحصر في ما يعرف اليوم بالطويلة والميدان والقطيع، وأما العيدروس والخساف وشارع أروى وغيرها فهي أحياء أحدث. كما أن الصهاريج نفسها متصلة بقنوات تصريف مياه الأمطار والسيول المتدفقة منها باتجاه البحر، ولا توجد قنوات باتجاه آخر. وتبدأ تلك القنوات من آخر صهريج جوار مدرسة (2 مارس). ويبدو الظاهر منها قناة واسعة تقسم المدينة القديمة إلى جزءين، لتصل بمحاذاة المتحف من الخلف، ونجد عليها كباري صغيرة للمشاة والمركبات، يمر فوقها شارع أبان وساحة البنوك ثم تتسع كلما اتجهت نحو البحر. ولا أعلم إن كانت سعة السائلة تلك هي السعة الأصلية لها في تلك النقطة أم أنه جرى تضييقها لاحقا؟ لكن المؤكد أن الجسم الرئيسي لتلك القناة أو السائلة قد تم استقطاع جزء مهم منه خلال فترات مختلفة لغرض البناء، دون وضع أي اعتبار للمترتبات اللاحقة لذلك، وهو ما سأحاول تناوله في مساحة قادمة.