لو لم يتصل صديقي ربما نمت متحسرا على أني لم أشاهد افتتاحية المونديال الثلاثي الذي أقيم في المكسيك وأمريكا وكندا ٢٠٢٦م، أو كنت هكذا أظن أن المونديال مهم بالنسبة لي. ولكني يجب أن أعترف أنه ليس مهما بل إننا نفتقد الكثير من الأشياء المهمة في حياتنا ولم نعد نهتم أو نبالي لها، ربما لأننا تغيرنا كما تغيرت علينا الكثير من الأشياء، مثلا حالنا الذي تغير ما بين الأمس واليوم وكيف كنا وكيف أصبحنا. ربما يكون هناك أسباب كثيرة قد تكون أهمها الحرب التى تركت فينا جرحا عميقا قد لا تشفيه السنوات العشر الماضية.. وهناك أيضا أشياء نفتقدها رغم أهميتها لنا، ربما الكهرباء التي لا تأتي إلا ساعتين في اليوم، أو بسبب المعاش الزهيد الذي لا يكفي أسبوعا واحدا، أو بسبب الغلاء الفاحش وعجزنا عن مواجهة متطلبات المعيشة الأساسية، حيث أصبحنا عاجزين وقليلي الحيلة في هذه الحياة البائسة التي نعيشها.
والحقيقة كنت أظن صاحبي هذا مقيماً في السعودية أو مصر مثل البقية من أصحاب الإعاشة الذين يستلمون بالدولار، اللهم لا حسد.. ومهما يكن فهو يظل صديقي الذي جمعتنا سويا أيام الدراسة وأيام العمل، ربما هو محظوظ وأمه دعت له في يوم مفترج مثل ليلة القدر.
لقد فاجأني أنه هنا في عدن.. بعد السلام والتحية، قال تعال عندي البيت نشاهد سويا افتتاح المونديال، قلت له كنت أتمنى ذلك ولكن معليش يا صاحبي، أنا شهرين لم أستلم معاشي وظروفي لا تسمح حاليا، وسامحني يا صاحبي. قال تعال محمول مشمول ولا يهمك شيء يا صاحبي. الحقيقة أنني حينما سمعت “محمول مشمول” فرحت وتذكرت أستاذنا الكبير أبو جلال الأستاذ عوض باجناح الذي كان لا يلبي دعوة أحد من الكبار أو الهوامير إلا إذا كانت “محمول مشمول”، ضحكت في نفسي وقلت والله زمان.. الله يرحمك يا بو جلال، كانت أيام حلوة..
تذكرت أيضا أول مونديال شاهدناه «بث مباشر من تلفزيون عدن» كان مونديال أسبانيا ١٩٨٢م بصوت المعلق الجميل صاحب الأخلاق الطيبة والراقي جدا الأستاذ محمد سعيد سالم، كان أجمل من علق على المباريات في تلفزيون عدن. في مرة قال لي تعرف لم أكن أتصور أن أكون معلقا للمباريات وإنما جاءت هكذا صدفة. قال عندما تم تدشين تلفزيون عدن بالألوان والبث المباشر أول مرة عبر عربة النقل التلفزيوني اتصل بي الأستاذ الكبير محمد عبدالله فارع، حين حضرت كان في اجتماع كبير مع قيادات إعلامية كبيرة، قال لي أستاذ محمد سعيد لقد اتفقنا جميعا على اختيارك أنت لتكون معلقا لأول مباراة تبث مباشر من داخل الملعب، وكان هذا عام ١٩٨٠م، لم يكن في بالي أن أكون معلقا لمباريات كرة قدم، ولم أستطع أن أرفض في ذلك الاجتماع الذي تم فيه اختياري وإعطائي تلك الفرصة والثقة التي منحت لي في ذلك اليوم.
اما اليوم وفي مقيل صاحبي كان المجلس كبيرا وعريضا، وفيه الكهرباء التي لا تنقطع أبدا، الله يخلي المنظومة والتكييف البارد أيضا. جلسنا وانبسطنا وشاهدنا افتتاح المونديال وأغنية شاكيرا التي خصصتها للمونديال (واي واي)، ومباراة المكسيك وجنوب أفريقيا.. كانت ليلة جميلة وممتعة، وكأني كنت في حلم جميل لم استيقظ منه سوى عند عودتي إلى البيت، وأنا أقف أمام سلم العمارة والظلام حالك لا أكاد أرى شيئا. أخرجت جوالي وأشعلت ضوء الكشاف، وبدأت أطلع درجات السلم درجة درجة وأتلمس طريقي إلى باب الشقة، والكهرباء غائبة منذ تسع ساعات مضت.
