شخصيات اختلفت فيما بينها في مراحل مختلفة، وخاض بعضها صراعات سياسية حادة، لكنها جلست في مكان واحد، وتبادلت الحديث والذكريات والاحترام. وبينما كنت أتأمل المشهد، وجدت نفسي أمام سؤال كبير: إذا كان هؤلاء قادرين على الاجتماع في القاهرة، فلماذا لا يستطيعون الاجتماع في عدن أو صنعاء أو المكلا أو تعز؟
هذه ليست المرة الأولى التي يجتمع فيها اليمنيون في الخارج. يجتمعون في الأعراس والعزاءات والندوات والمنتديات الثقافية، ويتبادلون الآراء ويختلفون ويتفقون، لكنهم في النهاية يبقون قادرين على الجلوس حول طاولة واحدة. أما في الداخل، فما زالت السياسة تصنع الجدران العالية بين الناس، وما زالت ثقافة الإقصاء أقوى من ثقافة الشراكة.
المؤلم أن كثيراً من هؤلاء الذين تجاوزوا الثمانين من العمر لا يحملون اليوم طموحاً في سلطة أو منصب بقدر ما يحملون حنيناً إلى الوطن. يتمنون أن يقضوا ما تبقى من أعمارهم بين أهلهم وعلى أرضهم، لكن الصراعات الممتدة والتصنيفات السياسية المتوارثة ما زالت تحول بينهم وبين ذلك.
لقد عانى اليمن طويلاً من عقلية المنتصر الذي يعتقد أن من حقه احتكار الوطن وإقصاء الآخرين. ومنذ عقود ونحن نكرر الخطأ نفسه بأسماء وشعارات مختلفة. يتغير اللاعبون وتبقى القاعدة واحدة: من ينتصر يستأثر بالمشهد، ومن يخسر يجد نفسه خارج المعادلة.
ولهذا لم يعد السؤال اليوم من يحكم اليمن، بل كيف ننقذ اليمن؟
إن مسؤولية النخب السياسية والفكرية والاجتماعية لم تعد تقتصر على إدارة الخلافات، بل على إنقاذ ما تبقى من الوطن. فالأوطان لا تبنى من الخارج مهما كانت النوايا طيبة، ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح إذا ظل أبناؤه موزعين بين المنافي والفنادق والعواصم الأجنبية.
ما يحتاجه اليمن اليوم هو أن تتقدم النخب بخطوة شجاعة نحو الداخل، وأن تعيد الاعتبار لفكرة الوطن قبل السلطة، وللمصلحة العامة قبل الحسابات الضيقة، وأن تفتح أبواب الحوار الحقيقي بين جميع المكونات دون إقصاء أو تخوين.
لقد أثبت اليمنيون أنهم قادرون على الاجتماع في المنفى، وبقي أن يثبتوا أنهم قادرون على الاجتماع من أجل الوطن. فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تكرر أخطاءها، والأجيال القادمة لن تسأل من انتصر في المعارك، بل ستسأل: لماذا عجز الجميع عن إنقاذ الوطن؟
وذلك هو السؤال الذي يجب أن يؤرق ضمير كل سياسي وكل مثقف وكل صاحب رأي قبل فوات الأوان.
