إننا لسنا أمام مجرد حزمة من التعيينات الحكومه الروتينية بل أمام قدرات قياديه لرئيس الحكومه شائع الزنداني وجهد حقيقي لإعادة تشييد البنية الاستخراجية للحكومه وتفعيل أدواتها للوصول إلى مواردها وتعبئتها بكفاءة فحزمة القرارات التي اصدرها رئيس الحكومه شائع الزنداني في الضرائب والجمارك لا تكمن اهميتها في أسماء المعينين بل في الوجهة التي انطلق منها شائع باختياره قطاعي الضرائب والجمارك وهذا الخيار في عرف بناء الدول يتجاوز كونه مجرد اصلاح إداري ليصب في صميم المسئلة السياسية برمتها
وهنا يمكننا القول ان شائع الزنداني لاول مره منذ12عام يجتاز بحكومته أسوار قصر المعاشيق لتتجسد فعليا في قدرتها على استخلاص الموارد وتوظيفها لخلق الأمن وتقديم الخدمات وبناء المؤسسات
فحزمة قرارات تثبت قدرات الزنداني أكبر من احتماليه ضعف قدرة حكومته قدرتها تدريجيا حتى تتآكل فاعليتها وتتحول إلى مجرد هيكل قانوني مفرغ من مضمونه تسير على درب الحكومات الاربع السابقه حين تخلت عن معظم الإيرادات الرسمية لصالح تمدد الاقتصاد الموازي وشبكات التهريب ومراكز الجباية المتناثرة التي سلبت الحكومه وظائفها السيادية والتاريخية
بناء على ذلك يأتي تعين قيادة جديدة للوحدة التنفيذية لكبار المكلفين كخطوة تتعدى الاصلاح الوظيفي فهذه الوحدة تمثل العصب الحساس للقاعدة الضريبية وتجارب الحكومات الهشة تثبت أن النزيف المالي لا يحدث بسبب صغار المكلفين بل ينبع من ضعف أجهزة الحكومه أمام كبار الفاعلين الاقتصاديين مما يجعل إعادة هيكلة هذه الوحدة محاولة قوية من شائع لاستعادة زمام المبادرة والسيطرة على المنبع الأكبر لإنتاج الثروة والمورد الضربي الأهم للخزينة العامة
وينسحب هذا المنطق ذاته على تعزيز الضابطة الجمركية وجهود مكافحة التهريب الذي لا يقتصر خطره على الجانب المالي بل يمثل تحديا سافرا لسيادة الدولة ومنافسة شرسة لتحديد من يمتلك القرار في توجيه حركة السلع وإرساء قواعد السوق فكل شحنة تتسرب بعيدا عن أعين الجمارك تترجم فورا إلى انتصار لسلطة موازية تمارس أدوارا سيادية ومن هذا المنطلق تغدو محاربة التهريب معركة لاستعادة هيبة الدولة وسيادتها قبل أن تكون مجرد أداة لتعظيم الإيرادات
وفي سياق متصل يعكس ترتيب المكتب الفني وقطاع الإيرادات والعلاقات المالية الخارجية إدراكا عميقا لمتطلبات الحكومه العصريه التي لا تكتفي بجمع الأموال بل تسعى لامتلاك المعرفة الشاملة بمسارات اقتصادها عبر توفير بيانات دقيقة حول مصادر الدخل ومسارات الإنفاق والقدرة التمويلية فآفة الدول الضعيفة تكمن في الجهل بمقدراتها وحين تفشل في رصد مواردها بدقة تفقد حتما أهليتها للتخطيط السليم وإدارة الحكم بفعالية
وتمثل خطوة الاستعانة بالمستشارين وتفعيل التدوير الوظيفي بعدا استراتيجيا يتم إغفاله عادة فالمؤسسات المالية محكومة بتراكم معقد من الخبرات والعلاقات والإجراءات والاندفاع نحو تغيير جذري وشامل قد يمحو الذاكرة المؤسسية بينما يؤدي الجمود إلى تكريس الفشل والعجز لذا قام الزنداني بعمليه مزج بين دماء التجديد ورصيد الخبرات كمسعى واعد لإعادة بناء المؤسسة وتنقيتها من الاختلالات دون هدم أركانها
ومن وجهة نظري ان هذه القرارات تتوج بأهمية أبعد من تفاصيلها الإجرائية إذ تجسد اعترافا حكوميا واضحا بأن معركة استعادة الدولة اليمنية تتجاوز ميادين السياسة والعسكرة لتصل إلى صميم البناء المؤسسي فنجاح الحكومه في تحصيل ضرائبها وضبط منافذها الجمركية وتجفيف منابع التهريب مع فهم دقيق لمواردها يعني استعادتها لأهم مقوماتها المتمثلة في القدرة على الفعل والتأثير وفي المقابل سيبقى أي تطلعات للتعافي والاستقرار مجرد أمنيات عابرة ما دامت الثروات تتسرب خارج الأوعية الرسمية
ففي المجتمعات الخارجة من أتون الصراعات لا تتأسس عودة بناء الدولة عبر إطلاق الخطابات الرنانة بل تنسج خيوطها عبر هذه التفاصيل العملية الصامتة التي ستحسم في نهاية المطاف هوية الدوله المخوله بموار المال العام و بصناعة القرار وفرض سيطرتها الانونيه على أرض الواقع.
