في يومٍ من أعظم أيام الله، يومٍ تتنزل فيه الرحمات، وتُستجاب فيه الدعوات، وتُفتح فيه أبواب السماء، وتتوجه القلوب إلى عرفات خاشعةً متضرعةً، تبتغي رضا الله ولطفه. اللحظات في يوم عرفة لها وقعٌ خاص، تمتزج فيها مشاعر الإيمان بالرجاء، وتخف فيها القلوب من أثقالها، وكأنها نافذةٌ مفتوحة على السماء.
في ظهر ذلك اليوم، وفي ساعةٍ من ساعاته المباركة، جاءني الخبر الذي لم يكن خبراً عابراً، بل كان حدثاً غيّر شيئاً في داخلي إلى الأبد. أخبروني أن والدي قد رحل إلى رحمة الله.
قبل ذلك بيوم، كنت قد اتصلت به، وكان صوته مطمئناً، يحدثني أنه بخير بعد وعكةٍ صحيةٍ بسيطة. لم يكن في حديثه ما يدعو للقلق، بل كان صوته مفعماً بالسكينة، وكأنها طمأنينةٌ أودعها الله في قلبه. شعرت يومها براحةٍ كبيرة، ولم أكن أعلم أن تلك المكالمة ستكون الأخيرة.
بعض الوداع يأتي خفياً، لا نشعر به إلا بعد الفقد.
وكأن تلك الليلة كانت تمهيداً لغيابٍ لم أستوعبه بعد، لم أستطع أن أصدقه، ولا أن أصل إلى وصفٍ يليق بحجم الرحيل. كنت أرى الناس من حولي يمارسون حياتهم كأن شيئاً لم يحدث، بينما كنت أعلم أن العالم تغيّر بالنسبة لي.
لكن الله أرحم بعباده من أنفسهم، وسلّمت أمري له. وفي كل يومٍ يمر، وفي كل صلاة، وفي كل لحظة دعاء، أستحضر أبي وأدعو له بالرحمة والمغفرة.
كلما جاء يوم عرفة، وكلما ارتفعت التكبيرات في المساجد، شعرت أن أبي لم يغب تماماً، بل بقي أثره في الدعوات، وفي الذكريات، وفي كل ما تركه من خير.
منذ ذلك اليوم، لم تعد الأيام كما كانت. أصبحت أكثر هدوءاً، وأكثر إدراكاً لقيمة الوقت، وأقرب إلى التأمل في معنى الحياة. أدركت أن الفقد لا يأخذ منا الأشخاص فقط، بل يأخذ معهم جزءاً من تفاصيل الحياة التي كانت ترتبط بهم.
ومع مرور الوقت، ازداد يقيني بأن الغياب ليس نهاية الحكاية، وأن الذكرى الصادقة تبقى، وأن الحب لا يموت برحيل الأحبة.
بعد ذلك الرحيل، صار في القلب فراغٌ لا يملؤه شيء، لكنه فراغٌ تعلّمت أن أعيش معه بالصبر والرضا. وصرت كلما مررت بمكانٍ يذكرني به، أو سمعت كلمةً كان يرددها، شعرت أنه قريب رغم البعد.
رحمك الله يا والدي، وجعل يوم رحيلك يوم رحمةٍ ومغفرة، وجمعنا بك في جنات النعيم، حيث لا فراق بعده!!
