أنجزت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات مسودة لائحة احتساب أجور الطيف الترددي، في اجتماع ختامي عقدته بديوان عام الوزارة في العاصمة المؤقتة عدن. الخطوة تنهي حقبة من الجمود التنظيمي استمرت منذ 1999، وستُرفع قريباً إلى مجلس الوزراء لإقرارها.
ففي ظروف الحرب والانقسام التي تعيشها اليمن منذ سنوات، يبدو الحديث عن “لائحة تنظيمية” أمراً تقنياً جافاً. لكن الحقيقة أن الطيف الترددي هو شريان الحياة الرقمي: بدونه لا مكالمات، لا إنترنت، لا تحويلات مالية، لا إغاثة، ولا إعلام.
ومنذ 1999، تُدار الترددات بعقلية الارتجال والمحاصصة. كانت النتيجة مليارات الدولارات الضائعة، وموارد وطنية تُستنزف بلا مقابل أو بمقابل رمزي لا يعكس قيمتها الحقيقية. كما تسببت الفوضى في احتكار الخدمة ورداءتها، وسوق مغلق لا يسمح بدخول مشغلين جدد، فيدفع المواطن ثمناً أعلى مقابل إنترنت أبطأ. ولم تسلم المنظمات الإنسانية والجهات الأمنية والخدمية من التداخلات والتشويش الذي يعطّل عملها.
اللائحة الجديدة تستهدف كسر هذه الحلقة. فهي تحدد آلية تسعير واضحة، وتنظم استخدام الأطياف الترددية للأقمار الصناعية والاتصالات اللاسلكية والراديوية، وتفتح الباب أمام المنافسة العادلة.
التأثير مباشر على حياة الناس اليومية. دخول شركات جديدة يعني منافسة، والمنافسة تعني عروض إنترنت أسرع وباقات اتصال أرخص. المواطن في تعز ومأرب وعدن يعرف جيداً معنى أن يدفع 20 ألف ريال مقابل 10 جيجا بالكاد تكفي أسبوعاً.
كما تعني اللائحة عودة المليارات إلى خزينة الدولة. وفي بلد يعاني انهيار العملة وتوقف الرواتب، فإن كل دولار يُستعاد من مورد سيادي يعني راتباً لمعلم وطبيب، ودواءً لمستشفى، ووقوداً لمحطة كهرباء. وتقدّر الوزارة المفقود بمئات الملايين سنوياً.
إلى جانب ذلك، توفر اللائحة بيئة جاذبة للاستثمار. فلا مستثمر يدخل سوقاً بلا قواعد واضحة. وهي تمنح شركات الاتصالات العالمية والإقليمية ضمانة قانونية للعمل في اليمن، ما يعني فرص عمل وبنية تحتية جديدة حتى في ظل الحرب. كذلك ستُحمى الخدمات الحيوية، حيث يحد تنظيم الترددات من التشويش على ترددات الإسعاف والدفاع المدني والمنظمات الإغاثية. وفي زمن الحرب، هذا هو الفرق بين وصول المساعدة أو ضياعها.
وصف وزير الاتصالات د. شادي باصرة اللائحة بأنها “أداة سيادية لاستعادة السيطرة على الفضاء الترددي اليمني”، واعتبرها “خطوة سيادية في زمن الانقسام”. ففي ظل تعدد السلطات وتشتت المؤسسات، فإن استعادة أي ملف سيادي وفق معايير فنية وقانونية موحدة هي إعادة بناء للدولة من أسفل إلى أعلى.
وقد ضمت اللجان الفنية التي أعدت المسودة وكلاء الوزارة ومدراء العموم ومستشارين قانونيين، ما يعكس أن المشروع ليس قراراً فردياً بل جهد مؤسسي أنهى أشهراً من العمل الفني والإداري.
لكن إقرار اللائحة هو نصف المعركة فقط. النصف الثاني يكمن في التطبيق ومواجهة شبكات المصالح التي استفادت لعقود من فوضى الطيف الترددي. فهؤلاء المتنفذون لن يسلّموا مورداً يُدر عليهم أرباحاً خيالية دون مقابل بسهولة. ونجاح هذه الخطوة مرهون بإرادة سياسية حقيقية لحمايتها من الالتفاف والتعطيل، وبآليات رقابة صارمة تمنع عودة الفوضى تحت مسميات جديدة. وبدون ذلك، ستتحول اللائحة إلى حبر على ورق، ويبقى المواطن يدفع ثمن صمت الدولة أمام النفوذ.
وختم البيان الرسمي للوزارة بالقول: “بهذه الخطوة، تعلن وزارة الاتصالات نهاية عهد الارتجال وبداية عهد الحوكمة الرقمية. الطيف الترددي ثروة قومية، ولن يُدار بعد اليوم بعقلية التسعينيات”.
الاختبار الحقيقي الآن عند مجلس الوزراء. فإقرار اللائحة يعني أن الدولة قادرة على إنتاج سياسات فنية محترفة حتى وهي تحت القصف والانقسام. ورفضها أو تأخيرها يعني إبقاء مورد سيادي رهينة للفوضى.
للمواطن اليمني، هذه اللائحة ليست ورقاً. هي وعد بأن الإنترنت القادم سيكون أسرع، وأن الاتصال القادم سيكون أرخص، وأن الدولة القادمة ستُدار بالعلم لا بالعشوائية.
